الثلاثاء، 4 أغسطس 2009

مساحة اعلامية ام نافذة للتنصير؟

ظهرت منذ فترة ليست بالقريبة دعوات من قبل النصارى و العلمانيين تدعو لافساح المجال " لشركاء الوطن " فى الاعلام الحكومى تحت ذرائع شتى منها دعوى المساواة بين المواطنين او محاولة نشر التسامح بين طوائف المجتمع , ولا ادرى كيف يعقل اصلا ان يتم السماح للاقليات ان تدعو لدينها فى الاعلام الحكومى الموجه بالاساس لشعب اغلبيته الساحقة مسلمة , الا اذا كان الهدف هو هذه الاغلبية المسلمة وليس الاقليات النصرانية, كما ان مبدأ اعطاء المجال لاصحاب العقائد المنحرفة والبدع لنشر ضلالهم و بدعهم على الناس امر غير مقبول لا عقلا ولا شرعا ويهدد الامن والسلم الاجتماعيين , فكيف ندعهم يعيثون فى عقائد الناس فسادا بل ونعينهم على ذلك ايضا؟
ولا ادل على ذلك من الحوار الاخير الذى اجراه محمود سعد مع الانبا بيشوى فى برنامج البيت بيتك , وقبل ان نتناول ما قاله بيشوى يجب الا نتجاهل ما تفوه به الجهول المجهال محمود سعد , فالرجل استضاف شخصا للحديث فى موضوع يجهل كل صغيرة وكبيرة عنه , فه لا يتمتع بأدنى معرفة او ثقافة بالنصرانية وربما بالاسلام ايضا , وغاب عنه الهدف من هذا الحوار , فهو يقول فى بدايته انها فقرة مسيحية للمواطن المسيحى ثم يقول انها لتصحيح ما سماه ببعض المفاهيم المغلوطة لدى المسلمين عن الدين المسيحى , ثم اثناء الحوار تنتابه حالة تسامح حادة دفعته خلال اللقاء لمحاولة اظهار الاسلام والنصرانية كأنهما مذهبين لدين واحد , بل وقبول كل تفسير يقدمه الانبا بيشوى للنصوص الاسلامية , وهذه الازمة المركبة من الجهل العميق والمصحوبة بحالة التسامح الحادة سمحت للانبا بيشوى ان يسرح ويمرح كيفما يشاء , ويحرف الكلم عن مواضعه ويزور التاريخ ويتحايل فى عرض عقيدته , ولا ندرى ما العلاقة بين توجيه فقرة دينية للمواطن النصرانى بالاستشهاد بالقران لاثبات الثالوث والوهية المسيح ونحو ذلك مما يتم تدريسه فى الكلية الإكليريكية قسم اللاهوت الدفاعى , اللهم الا اذا كان الهدف هو تنصير الجمهور المسلم من خلال الاعلام الحكومى .
ثم اذا تم السماح للانبا بيشوى بالتبشير فلماذا لا يتم استضافة شخص متمكن لكى يرد عليه اكاذيبه ويبين كذبه وبهتانه ؟ او حتى يتم استضافة يوسف زيدان للرد على ما قاله الانبا بيشوى بخصوص روايته عزازيل , فهذا ما يقتضيه المنطق ومبدأ كفالة حق الرد , ثم بناءا على هذا المبدأ لماذا لا يتم استضافة الانبا ماكسيموس هو الاخر لكى يعرض عقيدته ومبادئه على جمهوره الذى يربو على النصف مليون مواطن ؟ ام ان حرية العقيدة واتاحة المساحة الاعلامية لا تنطبق على هذه الحالة ؟
وقد تحدث الرجل فى لقائه بالمدعو محمود سعد فى موضوعين اساسيين اولهما التسامح المسيحى مع المخالفين وثانيهما الثالوث , ففى الموضوع الاول بعد ان استعرض عدة ايات من العهد الجديد تحض على التسامح بدأ بعرض لحادثة هدم معبد السرابيوم بصورة وردية تصور الامر وكأنه مثال حى للتسامح المسيحى على مر العصور , وقبل ان نذكر الملابسات الحقيقية لهذه الحادثة يجب التوضيح ان البابا ثاوفيلوس - الذى ادعى بيشوى انه اراد ان يعلم الوثنيين المحبة والتسامح فى المسيحية - كان خصما عنيفا للديانات المخالفة وحتى للمذاهب المسيحية الاخرى , وبمجرد وصوله لمنصب البطريك فى عام 385 م بدأ حملة واسعة لتدمير معابد غير المسيحيين فى شمال افريقيا وبموافقة من الامبراطور ثيودوسيوس الاول , منها معابد سيرابيس وديونيسيوس وميثرا , ومحا كل اثر لهذه المعابد الوثنية , واستخدم حجارة هذه المعابد لبناء كنائس جديدة . كما انه تزعم ، فى سياق اضطهاده للرهبان الأوريجانوسيين Origenist monks ـ نسبة لأوريجانوس ـ ، قواتاً لتخريب اديرة هؤلاء الرهبان فى الصحراء . (1)
اما بالنسبة لحادثة هدم معبد السرابيوم فيذكر أنه بينما كانت تجرى عملية الاعداد لإرساء القواعد لبناء كنيسة ضخمة Basilica إذ عُثر على كهف يحوى بقايا قرابين آدمية Human sacrifices . فاستغل البطريرك ثاوفيلس Theophilus هذا الاكتشاف لإطلاق مسيرة فى شوارع الإسكندرية تهزأ بتماثيل دور العبادة القديمة وهو عمل يمثل اساءة رمزية بالغة لدرجة اثارة اعمال عنف من قبل حشود من الوثنيين . وعندما قام جند الإمبراطور بدفع الحشود للخلف تراجعت الحشود الى باحات معبد السيرابيوم وكان الجند مأمورون بالسيطرة على المعبد وخلال هذا الهجوم قام احد الجنود بتشويه احد التماثيل وهو ما أشعل فتيل عملية تحطيم واسعة للتماثيل وهدم امتدت رحاها للمدينة بأكملها وبلغت ذروتها عندما تمت عملية تقطيع أوصال التمثال الاكبر Chryselephantine للمعبود سيرابيس Serapis المكسو بالذهب والعاج واظهاره للعيان . (2)
ولم تكن هذه الواقعة فردية ولا منعزلة عن السياق العام بل كانت فى اطار منهجى منظم يستهدف استئصال شأفة الديانات والعقائد المخالفة للمسيحية , فعلاوة على ما تقدم
قام الأرشمندريت شنودة وكان رئيس أحد الأديرة ـ الدير الأبيض ـ بموضع يسمى " إتريب " بصعيد مصر ، وتعتبره الكنيسة القبطية الأرثوزكسية أحد قداديسها ، بشن حملات Crusades خلال الفترة المتأخرة من العقد الاخير من القرن الرابع على معابد منطقة إتريب وأجوارها (2) ، ويذكر موقع معهد ’’ ييل ‘ لعلم المصريات Yale Egyptological Institute in Egypt أن شنودة كان مناهضا للديانة المصرية الوثنية التقليدية بالقول والفعل فى منطقة سوهاج وأخميم واُغلق الكثير من المعابد الوثنية وقُوِّضت فى عهده ، وأن بعض مواد البناء الخاصة بتلك المعابد التى تم تحطيمها أُعيد استخدامها فى انشاء كنيسة دير شنودة ولذا تجد بعض الكتل الحجرية التى أدمجت فى البناء منقوشة بمشاهد دينية غير مسيحية و نصوص هيروغليفية .
وكانت الاسكندرية نفسها خلال بداية القرن الخامس مسرح لعديد من مظاهر العنف والمصادمات وكثير من مظاهر العنف هذه كانت بإيعاز من الأسقف كيرلس Bishop Cyril ( sed. 412 – 44 ) ومن هذه المظاهر على سبيل المثال فى عام 415 وحده نجد : طرد اليهود واحراق دور العبادة الخاصة بهم واعدام الفيلسوفة هيباتيا Hypatia على الملأ وتقطيع اوصالها ، ولقد أدت هجرة الكثير من العلماء على إثر هذه الاحداث الى بدء تقهقر وتراجع الاسكندرية كمركز رئيس للعلم والمعرفة فى العالم القديم . (2) (3)
كما قامت أخوية مسيحية متطرفة تسمى " فيلوبونوى " Philoponoi عام 484 م والتى حظيت بمباركة الأسقف وقتها وبصحبة الرهبان بتدمير محل لطقوس الشفاء healing cult الخاصة بالمعبودة إيزيس بمدينة مينوزيس Menouthis . وكان هؤلاء الرهبان , من دير إناتون بمنطقة الدخيلة على الطريق الساحلى ما بين الاسكندرية الى مرسى مطروح , قد أثبتوا جدارة فى التغلب على شياطين تماثيل آلهة المصريين مستعينين فى ذلك بانشاد الترانيم على القوى الكامنة فى تلك التماثيل .(2)

ولكن بمهارة فى تزوير الحقائق وبمساعدة جهل محمود سعد نجح الانبا بيشوى فى ان يخفى حقيقة الممارسات المسيحية العدوانية تجاه المخالفين لهم , وبنفس الاسلوب تناول الانبا بيشوى مسألة التوحيد والتثليث , والاشكال فى هذه المسألة انهم يحاولون الجمع بين الكثرة والوحدانية المطلقة , وهذا امر محال , فلا يمكن الجمع بينهما الا عند القول بالتراكب ، أى جمع الكثرة فى وحدة مركبة ، والتراكب يقتضى حتما الحدوث وهذا غير مقبول فى حق الله , وما ضربه من امثلة لتقريب الفكرة من نحو اللهب والنور والدفء هو خلط بين العَرَض ( الصفة ) والعين القائمة بذاتها, فالدفء عرض قائم باللهب مثله مثل النور , اما فى حالة الثالوث فالنصارى مجمعون على ان الاقانيم أو الاشخاص persons الثلاثة كل منها عين قائم بذاته Hypostasis or entity , وحتى لو اعرض الانبا بيشوى عن ذكر هذا الأمر فان عقيدتهم تؤكد على ذلك , بل وتؤكد ايضا تمايزهم عن بعضهم البعض , فكل من هذه الاقانيم الثلاثة متصف بصفات ذاتية وفعلية لا يتصف بها الاقنومين الآخرين , فالابن مولود غير منبثق والروح القدس منبثق غير مولود والاب لا مولود ولا منبثق , اما على صعيد الصفات الفعلية فالابن تجسد دون الاب والروح القدس والروح القدس نزلت على هيئة جسمية مثل حمامة – حسب اعتقادهم – دون الاب والابن , وبالتالى فهم ثلاثة اعيان مختلفة مجموعهم يساوى الله عندهم, فالمثل الاقرب لمعتقدهم ليس هو اللهب بأعراضه القائمة به من نور وحرارة انما ، لو صح ان نقول ، مثل السرير والدولاب والمنضدة فهى ثلاثة اعيان منفصلة من جوهر ( مادة خام ) واحد وهو الخشب وكلها تكون غرفة نوم واحدة .
وعلاوة على ذلك فقد تعمد الانبا بيشوى الخلط فى عرض المعتقد ووصف الله بما لا يليق وتأويل القران .

لكن دعونا نذكر أولا أن لفظ الثالوث وعقيدة الثالوث الصريحة لم يردا فى العهد الجديد كذا ما قصد المسيح ولا اتباعه ابدا أن ينقضوا وصية العهد القديم " اسمع يا اسرائيل الرب الهنا رب واحد " ( التثنية 6 : 4 ) الا ان ورود الفاظ الاب والابن والروح فى العهد الجديد كان ذريعة لنشوء عقيدة التثليث .
نشأت عقيدة الثالوث تدريجيا عبر القرون ومن خلال الكثير من الجدل وفى البداية يبدو انه كان ثمة وجهتان للنظر الاولى تقول بأن الأقانيم الثلاثة متمايزة distinct لكن على حساب التساوى فى الجوهر ومن ثم الوحدانية وهو ما يسمى بمذهب الـ Subordinationism والاخرى تقول بالتساوى فى الجوهر لكن على حساب التمايز فتجعل من الاب والابن والروح مظاهر للإله يعلن بها عن نفسه دون كونها متمايزة فى ذاته ويسمى بمذهب الـ Modalsim ولم يكن حتى القرن الرابع أن تبلورت عقيدة الثالوث كما نعرفها الان فجعلت الأقانيم الثلاثة متساوية فى الجوهر ومتمايزة فيما بينها حتى اذا كان مجمع نقية 325 م نصوا على ان الابن من جوهر الاب مثلما أن هذه الخرقة من ذاك الثوب على سبيل المثال
ولم يُذكر كثيرا فى شأن الروح وأخذ أثناسيوس بطريرك الاسكندرية يدافع عن صيغة مجمع نقية ويهذبها فلما كانت نهايات القرن الرابع أخذت عقيدة الثالوث تحت زعامة كل من باسيليوس القيصرى و غريغوريوس النيصى و غريغوريوس النَزَيَنْزِى الشكل التى عرفت به منذ ذلك الوقت وحتى الوقت الحاضر .
دائرة المعارف البريطانية , مادة الثالوث Trinity, 2007


وقد ابدع الاباء الكبادوكيين الثلاثة السالف ذكرهم فى وصف حقيقة معتقد النصارى حين قالوا " ان الاب والابن والروح القدس يشتركون فى الجوهر ousia الالهى كما يشترك بطرس ويعقوب ويوحنا فى الطبيعة او الجوهر الآدمى " وهو ما يعكس المصدرية الأفلاطونية لهذا النمط من الفكر (4)
ولم تكن عقيدة التثليث كما بلورها الاباء الكبادوكيين هى اول محاولات التوفيق بين الوحدانية والتعدد , فقد ظهر قبلها نمط من الفكر يعرف بـ Pluriform monotheism ومفاده أن آلهة " البانثيون " ( مجمع الآلهة ) ودون أن تفقد تمايزها واستقلاليتها ، هى من جوهر واحد (5)
ومما يثير الاستغراب ان حالة التسامح الحادة التى كان يعانى منها محمود سعد طوال الحوار لم تمس الانبا بيشوى مطلقا , فالرجل متمتع بحصانة ذاتية قوية تجاهها , فعندما كان يحاول محمود سعد ان يظهر نقاط مشتركة بين الاسلام والمسيحية دأب الانبا بيشوى على تجاهله , فهو لا يهدف الى التوفيق بقدر ما يهدف الى اثبات صحة عقيدته وايصال فكرته الى الجمهور المسلم , وهنا تكمن المشكلة , فبينما يظن الساذج محمود سعد انه يجب ان نقرب المسافات لكى نضفى روح من التسامح المتبادل فان الطرف الاخر له هدف آخر أيضا , وعليه فاعطاء مساحة لهم هو امر فى غاية الخطورة الا اذا كنا سنعطى مساحة للرد عليهم وبيان بطلان معتقدهم .
-----------------------------------------
(1)
"Theophilus of Alexandria, Saint." Encyclopædia Britannica from Encyclopædia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. ( 2009).
(2)
Cambridge History of Christianity , Vol. II , Ps , 183 – 186
(3)
"Hypatia." Encyclopædia Britannica from Encyclopædia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. ( 2009).

(4) Britannica Encyclopedia , Christiantiy , Christian philosophy , emergence of official doctrine , 2007
Christ was said to have two natures, one of which was of the same nature (
homoousios) as the Father, whereas the other was of the same nature as humanity; and the Trinity was said to consist of one ousia in three hypostases. The Platonic origin of this conceptuality is clear in the explanation of the Cappadocian Fathers that the Father, Son, and Holy Spirit share the same divine ousia in the way Peter, James, and John shared the same humanity.
(5)
"monotheism." Encyclopædia Britannica from Encyclopædia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. ( 2009).



السبت، 25 يوليو 2009

سيد القمنى اباطيل واسمار

فى عصور الظلام والنكبات تكثر الخفافيش والبومات , وتزداد نسب الحماقة والسفه والسفالة , ويكون لها اربابها , و بعد عصور النور التى عشناها فى ظل حضارة دولة الاسلام , والتى تطاولت اكثر من الف عام , دارت عجلة الزمن لتظلل بلادنا غيمة الجهل والتخلف والانحطاط , وتعشش فى بيوتنا طيور الظلامية والالحاد , وليس هذا بغريب , فتلك سنة كونية , لكن الغريب ان يدعى هؤلاء المفسدون انهم اصحاب منهج , وارباب رسالة , بل وحملة مشعل التنوير , وقادة التطوير , ومن احد هؤلاء المدعو سيد القمنى , الذى ما فتىء يهاجم الاسلام ويطعن فيه , ويتطاول على رموزه , ولن نهتم كثيرا بتحليل شخصيته وتناول فكره ومنهجه , بل سأتناول عينة من نتاج كتاباته , وهو الكتاب الذى عنونه بعنوان " الحزب الهاشمى " وهو عينه الكتاب الذى أعطى عليه جائزة الدولة التقديرية فى مجال العلوم الاجتماعية .
وقيمة هذا الكتاب فى نظرى لا تنبع من كونه كتاب علمى منهجى , او انه واسع الانتشار وشديد التأثير , فكل كتابات القمنى وامثاله تكاد ينحصر تأثيرها فى قراء كرخانة روز اليوسف وما لف لفها من المطبوعات , لكن الرد على مثل هذا الكتاب انما نبع من اهتمام النصارى كثيرا بأطروحاته , واحتجاجهم بترهاته وتخريفاته , فعزمت ان ابين جانبا من زيفه وكذبه , وموضحا خطأه ومبينا تخبطه
اهداف سيد القمنى
ان محمدا لم يصنع العرب لكن العرب هم من صنعوا محمد "
هذه هى الفكرة التى يود سيد القمنى ان يوصلها من خلال كتابه , وهى فكرة قديمة قدم عصور الظلام الفكرى التى نعيشها الان , فهو يود ان يوضح ان الاسلام كعقيدة لا تمثل اى قيمة روحية او فكرية او اجتماعية تنبنى عليها حضارتنا, فما حدث من نهضة اسلامية كبرى فى عصر صدر الاسلام وما تلاه من العصور انما هو نتاج ظروف طرأت على جزيرة العرب , وافرزت الاسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وبالتبعية افرزت الحضارة الاسلامية ككل
وبالتالى يجب علينا نحن العرب والمسلمين ان نكف عن السعى وراء حلم اعادة الحضارة الاسلامية , وترك كل الصيحات التى تدعو لأصلاح الدنيا بالدين , فكل هذه الافكار مغلوطة , ومبنية على اساس خاطىء , وقراءة مشوشة جامدة للتاريخ الاسلامى , وعلينا ان نبحث فى حاضرنا وظروفنا الحالية عما يعيننا على تغيير واقعنا , كما سعى العرب منذ الف وخمسمائة عام لأيجاد طريقة تغير واقعهم ومستقبلهم
ولتحقيق هذه الغايات يقدم القمنى نظريته فى اطار رؤية جديدة لتاريخ العرب فى الجاهلية وصدر الاسلام , قوامها ترتيب الاحداث السابقة للأسلام بصورة تجعل منها مقدمات منطقية لنتيجة حتمية هى ظهور الاسلام , وجعل الاسلام مجرد وسيلة عربية لبلوغ مآرب قومية , فالاسلام هنا محطة وليس قاطرة , وما حدث للعرب من تغير كامل وتحول جذرى فى تاريخهم لم يكن الا نتيجة حتمية للتطور الاجتماعى الذى شهدته الجزيرة العربية فى القرن السابق للاسلام
اسس النظرية
احتاج سيد القمنى لتقديم نظريته الى اعادة ترسيم تاريخ جزيرة العرب لخلق الظروف التى يفترض وجودها , فأعتمد على فرضية ان الصحوة القومية العربية قد اخذت فى التصاعد فى كل انحاء الجزيرة نتيجة لحدثين مهمين هما طرد الاحباش من اليمن وانتصار سيف بن ذى يزن عليهم بالاضافة لموقعة ذى قار التى انتصر فيها العرب على الفرس , وجعل من هذين الحدثين الشرارة التى اشعلت الحمية العربية على حد زعمه
وصاحب تلك الصحوة القومية عملية تحول فى الاوضاع الاقتصادية للجزيرة بصفة عامة , حيث زعم ان الجزيرة تحولت الى ممر تجارى عالمى , تعبر من خلاله كل تجارات العالم من اوروبا الى اسيا الى الهند والصين وشرق افريقيا , فكانت النهضة الاقتصادية الكبيرة المزعومة مصحوبة بالوعى القومى المتصور هما اساس الوحدة العربية اللاحقة
لكن لو افترضنا ان الوعى السياسى والنمو الاقتصادى هما اساس قيام اى وحدة حضارية فان هذا لا يصح فى حالة العرب , الذين تمرسوا على الاستقلالية ونشأوا على النزعة القبلية , فكانت الحاجة ملحة لوجود عامل توحيد لهم , يوحد طاقاتهم وغاياتهم , ويستغل كل امكاناتهم , فكان الحل المنطقى حسبما افترضه القمنى هو النبوة
لكن فكرة النبوة تحتاج لمقدمات ايديولوجية راسخة , فجعل من الحنيفية هى تلك الايديولوجيا , ورسمها على انها فرقة عقائدية منتشرة فى جزيرة العرب , ولها وضعها المعتبر , ولها غاياتها التى افترض انها تقوم على تنصيب شخص فى مكان النبوة ليكون القائد العربى الذى يوحد كل القبائل
ولكى يبرر ظهور النبى فى مكة دون سائر البلدان , رسم لمكة صورة اخرى تقوم على نفس المحاور التى رسمها لجزيرة العرب , فهى كما ادعى ( ترانزيت عالمى ) , تمر من خلالها كل التجارة العالمية , فأكتسبت مكانتها بين العرب من هذا المنطلق وحده , وليس لأنها بلد الله الحرام , او لأن العرب عظموها لوجود الكعبة والحجر الاسود , فتطورت مكة سياسيا بعد نموها الاقتصادى وصارت الاصلح لقيادة العرب ولظهور النبوة فيها
ثم بعد ذلك يجعل من بنى هاشم البيت الامثل لظهور النبوة , ففيهم عبد المطلب المصلح الاجتماعى الحنيفى – على حد زعمه – الذى اثر فى الرسول ايما تأثير , وصاحب الفكر السياسى الناضج , الذى مكنه من معرفة حقيقة ان النبوة هى التى ستوحد العرب لا شىء اخر
وبعد كل هذه المقدمات , يفرغ الاسلام من كل اتصال له بالوحى والسماء , فيزعم ان فكرة النبوة انما اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم تبعا لتأثره بجده الحنيفى , والتشريعات الاسلامية انما استقاها مما شرعه زيد بن عمرو بن نفيل , اما القران فما هو الا اقتباس من اشعار امية بن ابى الصلت
وبعد كل هذا الهذيان يمكن ان يتوصل بكل سهولة الى ان دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انما كانت مجرد تطبيق لطموح سياسى جال بخاطر الهاشميين ونضج فكريا فى ذهن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم , متزامنا مع الايديولوجيا الحنيفية ومتحالفا معها , وكان الرسول هو المنفذ لا اكثر لكل هذه النظريات والمساعى , ونجاح الدعوة وانتشارها بعد ذلك انما كان بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى جعلت العرب تواقين لحلم الوحدة القومية , لأستغلال كل امكاناتهم التى تساعدهم على بناء امبراطوريتهم
نقد النظرية القمنية
ان افتراض ان النبوة هى الحل السياسى العبقرى لمعضلة غياب عامل التوحيد الذى يجمع العرب جميعا هو فرض ساقط عقلا , فالنزعة القبلية الاستقلالية كما ترفض اى توحد تحت راية سياسية واحدة كذلك ترفض التوحد تحت اى مسمى اخر حتى لو كان النبوة , فكما سيقول العربى لماذا نخضع لفلان ولا نخضع لرجل من قبيلتنا يمكنه ان يقول ايضا ولماذا لا يكون فينا هذا النبى , بل لقد قالوها , ولا ادل على ذلك من ظهور الانبياء الكذبة فى اليمامة واليمن ونجد , فقال طلحة النميرى " كذاب ربيعة خير عندنا من صادق مضر " , فالتعصب للقبيلة لا يغلب عليه خضوع لأى عامل اخر , وعليه فلا يمكن اعتبار ان النبوة مجرد حل لمعضلة التعصب القبلى
وان قال احدهم ان النبى قام باحلال الانتماء الدينى أو العقدى محل القبلى بغرض تبديد هذه العصبية لأغراض سياسية لقلنا ان هذا يستلزم طريقا طويلا يحتاج معه لأقناع الناس بهذا الانتماء العقدى اولا , وترسيخه بقوة بحيث يصبح اقوى من العصبية القبلية , ولو كان الرسول يتحرك من منطلق سياسى محض – كما يزعم القمنى – فكان الاولى له ان يستخدم معيارا توحيديا موجودا اصلا فى نفوس العرب , ولا شىء فى هذه الحالة افضل من النزعة القومية العربية , فهو بذلك يوحدهم كأمة عربية واحدة , تكون المساواة فيها بين كل العرب هى الاساس , بل ويضمن عدم مخالفتهم اياه ومحاربتهم له فى مسائل الاعتقاد , وكذلك لا حاجة له ليصطدم معهم فى امور الحل والحرام وتقييد شهواتهم , وفوق هذا وذاك لن يسوى بينهم وبين الاعراق والقوميات الاخرى ,فسيكونوا هم الاولى بكل الحقوق دون غيرهم , ويمكنه ان ينشىء - تبعا لهذا الانتماء القومى - كيانا اشبه بالكيان الرومانى
وفيما يخص النقطة المتعلقة بضرورة اقناع العرب بأولوية الانتماء العقدى على القبلى فلكى يقنعهم بصدق نبوته لابد أنه يكون هو فى داخله مؤمنا بهذا إذ أن فاقد الشىء لا يعطيه وهذا يجرنا للحديث عن ضرورة التسليم بصدقه واخلاصه كما هو حتى قول الدارسين فى الغرب بوجه عام وفقا لما ذكره ريتشارد بيل ومونتجمرى وات (1) وكذا وفقا لقول برنارد لويس المؤرخ اليهودى المشهور : أن المؤرخ العصرى لن يقبل بأن دينا عظيما وذا شأن كالاسلام ابتدأه دجال أنانى ** وقول مونتجمرى وات بأن صدق النبى واخلاصه لابد ان يقبله المؤرخ العصرى لان هذا وحده يمكن أن يفسر نشوء دين عظيم كالاسلام ***
بل حتى وفقا لبعض اللاهوتيين المسيحيين ورجال الدين المسيحى من أمثال الأسقف الأنجليكانى Kenneth Cragg وعالم اللاهوت الشهير John Macquarrie (2)
وهذا ينسف دعوى القمنى من أساسها من ان الاسلام هو مشروع قصد به بنو هاشم ان تكون لهم السيادة على العرب وأن النبى ادعى النبوة لتحقيق مجد دنيوى زائل وهذا يعنى أن كلام القمنى هذا كمال يقال " out of fashion " أو موضة قديمة .

واحد اوجه الخلل المنطقية فى النظرية ايضا كونها قائمة على فرضية هشة , وهى ان العرب سيغيب ان اذهانهم ان دعوى النبوة من قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – بغرض سياسى , فهذا اول ما سيتبادر الى اذهان القوم , ولن تنطلى عليهم هذه الحيلة السياسية , بل انهم ظنوا فعلا فى بادىء الامر ان هذه الدعوة انما لغرض سياسى بغية التملك عليهم ولذا قال عتبة بن ربيعة للنبى صلى الله عليه وسلم كما ورد فى سيرة ابن هشام : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ..... [ ص: 294 ]
نقطة ثالثة وهى الزعم بأن الاسلام كان دعوة حزبية من بنى هاشم بغرض التسلط على كل العرب , فأسأل لماذا آمن بالاسلام فى اضعف اللحظات واحرجها ناسا من بنى امية ( كعثمان ابن عفان وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد بن العاص،و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وبنت أبى سفيان بن حرب ) المنافس التقليدى للهاشميين كما يحلو للقمنى ان يسميهم , وكيف كان من بنى هاشم من يناوىء الدعوة كأبى لهب و كان أول من جهر بعداوة الإسلام لما جهر الرسول عليه الصلاة والسلام بدعوته، ولم يكتف بالمعارضة الصريحة بل عضدها بالعمل والكيد، فقد مارس صور شتى أنواع أذى الرسول وصد الناس عنه. بل إن أبا لهب لم يدخل مع قومه شعب بني هاشم لما حاصرتهم قريش فيه، ولما لم يستطع الخروج مع قريش لقتال الرسول يوم بدر استأجر بدلاً منه العاص بن هشام بن المغيرة بأربعة آلاف درهم وكان له من الابناء عتبة ومعتب وعتيبة وقد أسلم الأولان يوم الفتح، وشهدا حنيناً والطائف، وأما "عُتيبة" فلم يسلم، وكانت "أم كلثوم" بنت رسول الله عنده، وأختها "رُقية" عند أخيه عُتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إِن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهماوتزوجهما فيما بعد عثمان بن عفان ولما أراد "عُتيبة" - بالتصغير - الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتينَّ محمداً وأوذينَّه فأتاه فقال يا محمد: إِني كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل أمام النبي وطلَّق ابنته "أم كلثوم" فغضب ودعا عليه فقال: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) فافترسه الأسد. الا يكفى هذا الامر لنسف الادعاء من اساسه ان الاسلام كان وسيلة لتحقيق الاطماع الهاشمية ؟
أما الكلام عن كون التشريعات الاسلامية مصدرها زيد بن عمرو بن نفيل وكذا كون القرآن منحول من أشعار أمية بن الصلت فهذا إن دل على شىء دل على سذاجة هذا الافاق وسطحيته فى الطرح فالتشريعات الاسلامية إنما جاءت لتعالج واقع تعيشه الجماعة الإسلامية وتمثل انعكاسا لهذا الواقع الذى كان زيد بن عمر بن نفيل بمعزل عنه ( مات قبل البعثة النبوية ) وهنا يذكر تاريخ الإسلام لجامعة كامبريدج أن الدين فى حالة النبى هو استجابة النبى الكلية للواقع الكلى الذى وجد نفسه فيه فهو لم يكن فقط يستجيب لما يسميه الغربى الجوانب الدينية والفكرية للواقع بل ايضا للضعوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية * ثم لمن يشرع عمرو بن نفيل تشريعات تفصيلية ـ بتقدير أنه فى مقدوره ذلك ـ وهو لا يتطلب منه واقعه ذلك فليس هو بمتبوع ولا قائد لجماعة تدعوه الضرورة لسن هكذا تشريعات لتنظم شئون تلك الجماعة !!
لكن القمنى " يجعل من الحبة قبة " فلمجرد أنه قرأ فى السيرة أو فى كتب الحديث أنه اعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان وأنه أدرك شباب النبى وأن النبى لقيه فى بلدح أسفل مكة فقدم له النبى سفرة فيها لحم فقال لا آكل مما يذبحون على انصابهم ..
فلاشك اذا أنه مصدر التشريعات التى شرعها النبى لأمته وأنه لعب دورا هاما فى صياغة أفكاره الدينية !!
والمعلوم أن مثل ذلك عند اهل الكتاب وهو فى شريعة التوراة وعنهم أخذ عمرو بن زيد بن نفيل وأصاب من علمهم ولقى احبارهم إلا أنه لم يقنع بدينهم فكان على ملة ابراهيم
وهذا يردنا الى مسألة اخرى هى العلاقة بين القرآن واسفار اهل الكتاب ودعوى ان بعض المبادىء والافكار التى ودرت فى القرآن تمثل انعكاسا لبعض ما ورد فى تلك الاسفار وهذه مسألة ليس هذا موضع بسطها إنما ما يهمنا هنا تفنيد دعوى القمنى حول علاقة زيد بن نفيل بالتشريعات الاسلامية
اضافة الى ذلك فكما هو معلوم فزيد بن عمرو بن نفيل هو والد الصحابى الجليل سعيد بن زيد وعم الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكيف لم يعلما أن التشريعات الاسلامية هى منحوله مما " شرعه " زيد بن نفيل ان كانت لزيد بن نفيل شريعة ؟!!
فكيف اذا امنوا به وصدقوه لو كانوا يعلمون عنه ذلك ولا شك انهم كانوا سيعلمون لو كان حقا ان شريعة الاسلام هى مجرد انتحال لما سبق وان شرعه زيد بن نفيل

و قد اخرج الإمام احمد بن حنبل في مسنده (1648) و الحاكم في مستدركه (3/440) و ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (9/417) و صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد :
أن سعيد بن عمرو بن نفيل و عمر بن الخطاب قالا لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أنستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال : نعم ، فإنه يبعث أمة وحده
وكذا الكلام على أشعار امية بن الصلت فلو كان القرآن منحولا منها لعلم ذلك القاصى والدانى فليست أشعار امية بن ابى الصلت بمجهولة لدى عرب الجاهلية ولكان هذا مطعن فى القرآن ولمزيد من التفصيل حول هذه المسألة يمكن الرجوع الى مقال للدكتور ابراهيم عوض بعنوان " القرآن وأمية بن أبى الصلت أيهما أخذ من الآخر "
وفيه يذكر ان تلك الاشعار المنسوبة اليه والتى يوجد تشابه بينها وبين بعض آيات القرآن هى اشعار ملفقة مكذوبة وضعت فى فترة تدوين السير والدواوين الشعرية ولا أفضل ههنا من تعليق سيد قطب رحمه الله " لو كان قادرا على مثله ليظهرن به لنفسه "
يقول بعض من تناولوا كتابات القمنى بالنقد وهو الكاتب منصور أبو شافعى أن القمنى اعتمد ما أسماه بـ"المعطى الجاهز له من أهل التاريخ" عن الصراع الهاشمي الأموي قبل البعثة الإسلامية.
ورغم أن سبب هذا الصراع كما سجله الطبري (مرجع القمني) أن هاشم بن عبد مناف أطعم قومه الثريد "فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف -وكان ذا مال- فتكلف أن يصنع صنيع (عمه) هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب (أمية) ونال من هاشم".
ورغم أن أغلب الكتب التراثية التي روت واقعة الصراع قدمت معلومات تشكك في حقيقته، منها أن "هاشم توأم عبد شمس"، و"كان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة". أي وكان لعبد شمس يوم مات "توأمه" خمس وعشرون سنة. وهي معلومة -كما نرى- تثير تساؤل: كم كان سن أمية يوم مات عمه أخو أبيه وتوأمه؟ (خمس سنوات أو حتى عشرة).

بل ورغم أن ابن إسحاق وابن هشام وابن سيد الناس وابن كثير سكتوا عن مجرد الإشارة إلى هذا الصراع في مؤلفاتهم التي تصنف ككتب "أصول". فقد تجاهل القمني كل ما سبق حتى لا يشك في تاريخية هذا الصراع الذي انتقاه ليكون "القاعدة الماضوية" والمحرك للمجتمع المكي على جسر "الدين" نحو "الدولة".
القمنى فى محاولته لكتابة هذه المرحلة من التاريخ الاسلامى لم يعجبه الواقع كما هو فقرر أن يقوم بمعالجة درامية على غرار الافلام والمسلسلات التى تتناول مسائل تاريخية فى السينما والتلفزيون المصرى التى من شأنها أن تزيف التاريخ وتقلب الواقع رأسا على عقب
فقد رسم فى خياله المريض صورة لما يجب أن يكون عليه الواقع وفقا لأيديولوجيته المادية الماركسية ثم راح يفتش هنا وهناك فى كتب التراث عله يجد ما يعضد به تصوراته تلك لكننا نراه يلجأ الى التحريف والتحوير والتحايل على الاخبار الواردة بقطع النظر عن مدى صحتها كى يحملها معان لا تحتملها وكثير مما يصوره هو من عنديات أبيه لا أساس ولا سند له فى المنقول
أمثله على التحريف:
يقول نفس الكاتب السابق : في توثيقه لدور عبد المطلب "التأسيسي" للدين "التوحيدي" قطع القمني بأن ما ذهب إليه هو نفس ما يؤكده ابن كثير بما رواه عن عبد الله بن عباس عن "ديانة أبي طالب بن عبد المطلب: هو على ملة الأشياخ. هو على ملة عبد المطلب".

وبالرجوع إلى مرجع القمني ("البداية والنهاية" - جـ 3 - 170) وجدنا ابن كثير في فصل "وفاة أبي طالب" وفي تعليقه على آية (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) يروي عن عبد الله بن عباس "أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله أن يقول: لا إله إلا الله. فأبى أبو طالب أن يقولها. وقال: هو على ملة الأشياخ.. هو على ملة عبد المطلب".
ومن سياق ما رواه ابن كثير (وأخفاه القمني بقصد) نفهم أن الحفيد (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب) روى أن عمه (أبو طالب) رفض أن يقول "لا إله إلا لله". وتمسك (ضد هذا القول التوحيدي) بملة الأشياخ (آباء البيت - الحزب الهاشمي). وتحديدا بملة عبد المطلب التي حسب ظاهر وباطن السياق لا تقول (أي لا تؤمن) بلا إله إلا الله. ورواية الحفيد (ابن عباس) استشهد بها ابن كثير لتأكيد موقفه الذي سجله في أكثر من موضع في كتابه من أن "عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية" (ج2 ص 285).
ونضيف أن ما فعله القمني من تحريف لما رواه ابن كثير كرّر فعله مع ما نقله عن "السيرة الحلبية" (جـ1 ص73) في توثيقه لما أسماه بـ"علم عبد المطلب اليقيني بنبوة حفيده محمد" وسعيه لتحقيق هذا "اليقين" على أرض الواقع بالزواج من بني زهرة. وأيضا هذا التحريف هو ما فعله مع ما نقله عن كتاب "طوالع البعثة المحمدية" (للعقاد) في توثيقه لشرط "توحيد الأرباب" في أنه كمقدمة لازمة لـ"توحيد القبائل" في دولة، ولشرط "أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيّا مثل داود".
كل هذه الوقائع (وهي غيض من فيض ) تؤكد تدخل القمني في نصوص مراجعه "ليجبرها" (بالتحريف والتحوير) على تمكينه (كماركسي - مادي) من تخييل عبد المطلب ليس فقط كقائد لـ"الحزب الهاشمي" في صراعه (الأسطوري) مع "الحزب الأموي". إنما -أيضا والأهم- لتخييله "كمؤسس" للدين (الحنيفية - الإسلام) وللدولة (العربية - الإسلام). وكل هذا لحصر دور حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في دائرة "التنفيذ". اهـ
زواج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة :
زعم الافاك النجس سيد القمنى أن النبى فى سبيل تحقيق ما اسماه الأمان المالي تزوج "الأرملة الثرية" خديجة بنت خويلد بعد خداع والدها وتغييبه عن الوعي (بالخمر) لانتزاع موافقته التي تنكر لها بمجرد استيقاظه. ووصل الأمر بالأب إلى حد التظاهر ضد هذا الزواج في شوارع مكة. ولتأكيد هذا الخداع أشار القمني وبكل ثقة إلى نقله لهذه المعلومة عن ابن كثير.
وبالرجوع لابن كثير فى كتاب البداية والنهاية نقرأ أن اخت خديجة رضى الله عنها كلمت اخاهما ان يكلم اباهم فى شأن زواج النبى من خديجة فجاؤه وهو سكران فكلمه فأجابه ثم استيقظ صاحياً فقال‏:‏ ما هذه الحلة‏؟‏ وما هذه الصفرة وهذا الطعام‏؟‏
فقالت له ابنته هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤه فكلموه‏.‏
فقال‏:‏ أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة‏؟‏ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال‏:‏ إن كنت زوجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته‏.وليس فى الخبر أن النبى سقاه خمرا كما يزعم هذا المأفون
ثم ان ابن كثير علق على هذا الخبر بقوله : قال المؤملي‏:‏ المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه، وهذا هو الذي رجحه السهيلي، وحكاه عن ابن عباس وعائشة ‏‏
‏وبالتالى فحتى الرواية التى استند اليها القمنى بعد تحريفها انما هى رواية ضعيفة مردودة ولم يكفه ضعفها حتى زاد عليها تحريفا وتزويرا كطبيعته الكاذبة .
ومما سبق يتضح لنا مدى ضحالة وانحطاط اطروحات سيد القمنى من الناحية العلمية والمنهجية , ورغم كثرة الادلة على فساد تخريفاته وبطلانها وكذبها من الناحية العلمية والمنطقية الا ان كثيرين من اعداء الاسلام والموتورين منه ما فتئوا يتغنون بحرية الرأى , واخرهم قناة النصرانى ابن النصرانية نجيب ساويرس التى تناولت فى احد برامجها المسمى ( بالمصرى الفصيح هذه القضية ) ,وانبرت المذيعة ومعها كلاب العالمانية فى مصر للدفاع عن سفالة وحقارة القمنى بدعوى حرية الرأى وانتقدوا فتوى دار الافتاء بتكفير قائل الكلام الذى احتواه كتاب القمنى , ولا ادرى كيف يمكن ان يمنع علماء الازهر ودار الافتاء من اصدار فتوى فى امر يتصل مباشرة بالاسلام والرسول ؟ او وقاحة هذه ؟ لكن هانقول ايه اللى فيكى فيكى يا كنيسة عمرك ما هاتبقى جامع .
‏.

هل صح قول من الحاكى فنقبله ام كل ذاك اباطيل واسمار
اما العقول فآلت انه كذب والعقل غرس له بالصدق اثمار


-------------------------------------

· Cambridge History of Islam , p. 30
· ** The Arabs in History, Lewis,p.45-46
· *** The Cambridge History of Islam (1970), Cambrdige University Press, p.30
· (1) Bell’s Introduction to Qur’an , p.18
· (2) Kenneth Cragg , The Call Of The Minaret,P.75 ,,, John Macquarrie , Mediators , p. 130


السبت، 20 يونيو 2009

نعم للتحرش الجنسى

فى الاونة الاخيرة ظهرت بعض الحركات الداعية لمقاومة التحرش الجنسى وفضح مرتكبيه بغرض التصدى لتفشيه , لكن الحقيقة ان الامر لم يخلو من الابتذال والتدنى على المستويين الفكرى والاخلاقى فى التعاطى مع هذه القضية , فبدلا من البحث ان الاسباب الحقيقية لهذه المشكلة بدأ اختلاق اسباب وهمية بغرض صرف الانظار عن الاسباب الحقيقية له .
فهذه الحملات تؤسس لمبدأ ان المتحرش لا يهمه طبيعة ملابس المرأة سواء محجبة او عارية , وهذا ان صح فى ظاهره الا انه لا يصح عند تطبيقه على مسألة تفشى الظاهرة نفسها , فمسألة الغريزة الجنسية هذه مزروعة فى الانسان بالفطرة , وميله للجنس الاخر امر طبيعى وفطرى , وفى حاله حدوث الاثارة لابد من تفريغ لها بطرق طبيعية ايضا تنحصر شرعا فى الزواج , لكن فى ظل تأخر سن الزواج والمعاناه حتى داخل المؤسسة الزوجية أديا الى عدم امكانية التنفيث عن هذه الرغبة البشرية بصورة سليمة , فلابد ان الحل يكمن فى تقليل المثيرات الجنسية التى تؤدى الى تفجر هذه الرغبة وايقاظها , وبالتالى فضحية التحرش انما هى فى الاساس ضحية هذا المثير الجنسى الاولى وان كنا لا ننكر جرم المتحرش فى ذاته , ولا اعتقد ان هناك شخص سوى يخالفنى فى ان اللبس المثير التى تلبسه كثير من النساء هو مما يفجر هذه الغرائز , وبالطبع لا ننكر الامر بغض البصر والاستعانة بالصوم والاستغفار لكن نحن نتكلم عن سلوك عشرات الملايين وليس عن مجتمع فئوى .
اما على المستوى الاخلاقى فطريقة التعاطى امتازت بكثير من الوقاحة والتدنى مما خرج بهذه الحملات والحركات من محاولة للتصدى للظاهرة الى الانغماس فى ذكر تفاصيل جنسية بأساليب صريحة تصل بها الى الانتقال الى خانة الادب المثير للغرائز ( erotic literature ) , فلا ادرى ما هى الفائدة المتحصلة من التصريح بألفاظ كتلك المذكورة فى هذا
المقال , هل يمكن القول انها تمثل تنبيه الى المرأة ان الرجل لو قال لها ان ( .....ها تحفة ) يبقى الواد نيته وحشة وقليل الادب وعاوز يتحرش بيها؟ هل هناك امرأة بحاجة الى هذه النصيحة الجليلة لتصل الى هذا الاستنتاج الخطير؟ ام ان هذه الالفاظ تحديدا فائدتها ان توضح للرجل ان استخدامه لها يؤذى المرأة ويشعرها انه يتحرش بها؟ سبحان الله .
والابتذال هنا لا يتوقف عند هذا الحد فقد ظهرت مدونة لشخصية تسمى نفسها ( المتحرش بها ) وتحكى بالتفصيل الدقيق كيف تم التحرش بها , ومرة اخرى لا ادرى ما فائدة هذا القصص الاباحى فى مقاومة الظاهرة ؟
وفى قضية نهى رشدى مازلت اذكر الحاح معتز الدمرداش على الضحية فى ان تذكر تحديدا ماذا فعل الجانى ؟ ولم يسكت حتى قالت ( مسكنى من صدرى ) وطبعا الراجل توقف عند هذا الحد وللأسف لم تكتمل الفائدة العظيمة من هذا التقرير لأنه لم يسألها مسك ناحية واحدة ولا الناحيتين ولو كان ناحية واحدة كانت اليمين ولا الشمال .
ان هذه النماذج من التعامل مع المسألة تماثل جلب ضحية للاغتصاب ليتم الاستفسار منها عن الكيفية التى قام بها مغتصبها بزغزغة ثدييها ودغدغة ترائب عذرتها وكيف سكب عليها ماء زناه .
اننا لا ننكر ان احد اساليب علاج المتحرشين النفسية تتمثل فى تنمية ذكاءه العاطفى عبر مواجهته بحقيقة مشاعر ضحيته تجاه ما لحقها من اهانة واذلال , لكن بالتأكيد يكون فى اطار علاجى متكامل وموجه لحالات منفردة وليس بهذا الابتذال والتدنى الرخيص , ورغم اتفاقنا على ان التصريح والتوضيح اللفظى المطلق انما هو ضرورة حتمية فى مجلس القضاء او اثناء التحقيق لكن ليس بأى حال من الاحوال على الملأ بهذه الصورة .
واجتماع الابتذال على هذين المستويين فى التعاطى مع القضية لا يمكن بحال من الاحوال ان يؤدى الى حصار الظاهرة ومكافحتها , انما الى انتشارها وازديادها , وكأن حقيقة دعوتهم هى " نعم للتحرش الجنسى " , فمما هو معلوم من خلال الدراسات العلمية ان كثرة تناول الجرائم فى الاعلام يؤدى بالتبعية الى زيادة انتشارها , فما بالنا وان التعاطى مع هذه الظاهرة يتم بهذا الابتذال والسوقية والتدنى؟

الخميس، 4 يونيو 2009

تجميل صورة أمريكا

لمصلحة من تجميل وجه أمريكا القبيح بعد أن سقطت الأقنعة التى خدعت بها من قبل السذج والبسطاء وساعدها فى ذلك عملاؤها فى الداخل من المطبلين والمزمرين للهيمنة الامريكية من الساسة والنخب هل من مصلحة المسلمين تجميل وجه أمريكا ، الذى لم يدخر بوش وسعا فى اظهاره على حقيقته وإن كانت كلفة ذلك باهظة من دماء المسلمين وأرواحهم وحرماتهم ، بالألوان والمساحيق ؟ هل من مصلحتهم صرف أنظارهم وانتباههم عن عدوهم الحقيقى الذى يقف وراء حالة التقهقر والضعف والتردى والاستبداد والفقر التى يعيشونها ؟ هل من المصلحة السماح لها بالاستمرار فى ممارسة الكذب والنفاق والخداع ومد يد العون لها فى ذلك لتمضى قدما فى استغفال المسلمين ؟ وهل المصلحة فى أن ننخدع وتنطلى علينا الاكاذيب والمجاملات الخادعة؟ مما جاء فى التنزيل فى مثله : يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم . الآية
يذكرنى ذلك بما كان من ابن سلول الذى سن لنفسه سنة لم يسبقه إليها أحد من المنافقين ليبعد عن نفسه أي شبهة تدل على نفاقه وبغضه للإسلام وأهله فجعل لنفسه مقام يقومه كل جمعة لا يتركه شرفا له في نفسه وفي قومه، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب قام فقال‏:‏ أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله به، وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وصنع المنافق ما صنع في أحد، فقام يفعل كما كان يفعل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا‏:‏ اجلس يا عدو الله، لست لهذا المقام بأهل‏.‏ قد صنعت ما صنعت‏.‏ فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول‏:‏ والله لكأني قلت هجرا أن قمت أسدد أمره .
فلماذا لا يكون لنا فى رسول الله وأصحابه أسوة حسنة لما أبوا أن يُستغفلوا من قبل أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين
وها نحن نشهد دعايا جديدة من قبل عَبَدة " هُبَل " أو " عُزَّى " العصر الحديث ، ، وسدنتها , إذ تربطهم بها علاقة عشق ومودة وحضورهم على الساحة وبقاءهم مرهون بهيمنتها وسطوتها ، للترويج لهذا الوثن الذى يئس من أن يعبد فى بلاد المسلمين وباءت دعوته , بعد تحقيق بعض النجاحات , بالفشل كما مال نجمه ، على صعيد الهيمنة والسيطرة , للأفول وآلت دولته للزوال .
ان امريكا بعد تراجع قدراتها على مواصلة انتهاج اسلوب الصدام المكشوف مع العالم الاسلامى قررت ان تستعين ببعض استثماراتها طويلة الاجل فى امتنا والمتمثلة فى ذوى الياقات البيضاء وعشاق الحضارة الامريكية من بنى جلدتنا , وقررت مع وصول اوباما للحكم بدء حملة علاقات عامة واسعة لتجميل صورتها فى العالم الاسلامى دون تغييرها بالطبع , وكان خطاب اوباما فى جامعة القاهرة هو ذروة سنام هذه الحملة , فالرجل يجمل لنا غزوه لأفغانستان وقتل المدنيين والاسلاميين فى باكستان , ويدفعنا دفعا لتأييده والتصفيق له على هذه الحملة المباركة المظفرة , فالرجل يريد ان يحسن صورة العالم الاسلامى فى امريكا كما يدعى احباب امريكا , ويريد ان يتواصل معنا ويغيير من اسلوب التعامل , لكن لا يمكن القبول بهؤلاء "المتطرفين " الذين قتلوا الالاف من الامريكان فى نيويورك , فعلينا ان ننأى بأنفسنا عن هذه القلة القليلة ليفعل بها الامريكان ما شاؤوا لكى نحسن علاقاتنا بها , ولكى ننعم بالصورة الامريكية الجميلة الجديدة , كما ان الامريكان لن يقصروا فى رعاية الاف المشردين بالدولارات والمعونات وغيرها , فقط علينا ان نخلى بينهم وبين عناصر المقاومة والممانعة . اما فى فلسطين فلابد ان نتنبه الى خط احمر وهو العلاقة بين امريكا واسرائيل , علينا الا نحلم بالمساس به لكن يمكن الكلام فيما وراء ذلك , الرجل يعد بدولة فلسطينية جوار دولة اسرائيلية , فاليهود عانوا على مر العصور مقابل ستين سنة فقط من المعاناه الفلسطينية فيجب ان نتقبل وجود دولة يهودية مقابل هذه المعاناه , وعلينا أن نقبل بأكبر خرافة ألا وهى أنه لا يمكن ان تزول اسرائيل من الوجود ! ولا ادرى اى اختلاف هذا فى موقف اوباما عن سابقه بوش ؟ لكن لابد ان نستمع الى تنويه هام من أحد عشاق امريكا المدعو عبد الخالق عبد الله الذى طالعنا فى الجزيرة اليوم , فهو رصد نقطة غاية فى الخطورة وتطور درامى مذهل وتغير جذرى عميق وزلزال سياسى ضخم سيهز العالم اجمع فى الموقف الامريكى تجاه فلسطين فقط سجل لاوباما قوله " ان امريكا لن تدير ظهرها للفلسطينيين " , يا الله كم هو حنون هذا الامريكى الاسمر , كم هو شجاع وقادر على التعاطى بعدل وانصاف مع اخواننا فى فلسطين , ان قلوبنا قد ذابت لهذا التعاطف المطلق معنا .
ان من خلال تحليل خطاب اوباما فى جامعة القاهرة يمكن ان نقرأ بصورة جيدة كل الحملة الدعائية الامريكية الاخيرة , هناك محورين اساسيين فى التحرك السياسى الامريكى اولهما متعلق بالصورة الخارجية والادوات المستخدمة وثانيهما القضايا الصلبة , لقد قررت امريكان اتباع اساليب ناعمة وحريريه لتحقيق اهدافها , لكن موقفها الاستراتيجى فى القضايا الصلبة مازال على حاله لم يتغير , فمثلا الموقف من عناصر الممانعة فى الامة , نعم لم يعودوا ارهابيين لكنهم متطرفين يسيئوا للاسلام ولابد ان ندع اوباما بل ونساعده على ان يحسن صورة الاسلام بأبادتهم والقضاء عليهم , وفيما يخص ايران مازال الهدف هو منعها من امتلاك سلاح نووى , لكن بدلا من خوض حرب مفتوحة هو يقنعها ان هذا سيفتح سباقا للتسلح , وكأن هذا السباق لم يبدأ بامتلاك اسرائيل لرؤوس نووية , اما على القضية الفلسطينية فبعد ان اكثر من السكر والعسل طعمه بمقولات عن وجوب الامتناع عن المقاومة المسلحة فهى لن توصل لنتيجة , ودعوته للفلسطينيين ان ينتهجوا نهج السود فى امريكا وجنوب افريقيا , لكن لماذا يا سيادة الرئيس لا يصح ان ننتهج اسلوب الاباء المؤسسين الذين استشهدت بمقولات احدهم فى انشاء امريكا بالقوة المسلحة ضد الامبراطورية البريطانية ؟
ان الاحمق فقط هو من يظن ان هناك تغيرا حقيقيا فى السياسة الامريكية , مازالت اهداف امريكا الاستعمارية واحدة ولو اختلفت اساليبها , ومازال هدفهم فى القضايا الاساسية كلها ثابتا فقط تغير الشكل الظاهرى ليكون اكثر قبولا واسهل فى التمرير .
وقد يساعد على نجاح هذه الحملة الاعلامية عاملان مهمان , اولهما موقف الجكومات المرحب وبشدة وبعاطفة حقيقية بهذا النهج الامريكى الجديد , فالادارة الامريكية ادركت على من تضع رهاناتها , لقد اختارت جواد الحكام المستبدين وقررت الامتناع عن مضايقتهم بصداع الاصلاحات الديمقراطية والانتخابات الحرة , فالرجل تحدث صراحة عن عدم امكانية فرض لأى نظام ديمقراطى من الخارج وهو ما يتطابق بصورة كاملة مع نفس ردود النظم الحاكمة على المطالبات الامريكية فى السابق بمزيد من الحريات , ثانى العوامل التى يعول عليها لانجاح هذه الحملة هم مريدى امريكا الذين دعوا الامة الاسلامية لمزيد من الاعتدال والبعد عن التطرف والتشدد وترك الشعارات واتخاذ اوباما مثلا وقدوة , فالرجل يستشهد بالقران فهو يعلم الاسلام مثلنا وربما اكثر منا , ولعلهم فى هذا يقيسون على مدى علمهم بالقران , فلعل اوباما استشهد بايات من القران لم يعلموا انها منه , ولكن للأمانة العلمية فموقف هؤلاء ليس بالضرورة نابعا من املاءات خارجية بقدر ما هو نابع من حب حقيقى وايمان صادق بالحضارة الامريكية ووجوب الاقتداء بها والابتعاد عن امثال بن لادن والظواهرى والمتطرفين .
ومن الانصاف ان نعترف وبصراحة ان هذه الحملة يمكن ان تحقق بعض النجاح على الصعيد الشعبى لسذاجة الكثيرين وقله وعيهم , فمجرد ان يروا اوباما يستشهد بالقران ويقتبس من قصة الاسراء يجعلهم يفتتنون بهذا المظهر مثل افتتان العوام بلكنة احد الاجانب فى شوارع القاهرة وهو يقول الهمدولله او السلامواليكم , لكن وبكل وضوح نود ان نوضح للناس ان اوباما ماهو الا نابوليون اخر او لنقل مينو العصر الحديث , هل سنكون نحن على مستوى وعى المصريين وقت الحملة الفرنسية ونواجه هذه الحملة الامريكية ام ان السذاجة قد تغلغلت الى نفوسنا حقا؟

الاثنين، 1 يونيو 2009

Bienvenue à la civilisation des libérals

عندما يصطدم دعاة الليبرالية بثابت من ثوابت الاسلام فانهم عادة ما يلجأوا الى تسميته تسميته بتسميات أُخر لكى لكى يطلقوا العنان لأنفسهم فى مهاجمته متجنبين التصريح بمعاداة الاسلام وتعاليمه , فلو ارادوا مهاجمة الجهاد سموه بالبن لادنية وعندما يهاجموا اى من اركان التوحيد سموها بالوهابية ولو رغبوا فى رفض الحاكمية سموها بالقطبية , وفى اخر صيحة لاستخدام هذا الاسلوب ينتقد محمد سلماوى فى مقاله المنشور بالعدد السابق من الاهرام ابدو منتقدى ورافضى العرى والتحلل متمثلا فى الرقص الشرقى مسميا موقفهم هذا بالطالبانية .
فالرجل يرى ان الرقص الشرقى يجب ان نتمسك به وننشىء المدارس لتعليمه لا ان نمنعها , وقدم لهذا الطرح عدة دفوع اولها ان الرقص الشرقى هو عمل فنى شعبى يضرب بجذوره فى التاريخ وصولا الى زمن الفراعنة حيث ان الجداريات تصور الراقصات يلبسن نفس زي راقصات اليوم , كما انه فن تناقلته الاجيال عبر الزمن منذ الفراعنة وصولا الى زوبة وحكمت فهمى وتحية كاريوكا وسامية جمال ونجوى فؤاد , وقد حاز هذا الفن اعجاب وتقدير العالم اجمع حتى فتح المدارس لتدريسه بينما نحن نرفض فعل هذا .
وقياسا على هذا المنطق فيجب علينا ان نقدر كل لون من الوان الفنون التى تصل الينا من الفراعنة فمثلا التصوير الاباحى (pornography ) له وجود قوى فى العصر الفرعونى بما يعود لعصر الرعامسة منذ اكثر من الف عام قبل الميلاد , وله شواهد عديدة على الجداريات الفرعونية , فهل يرى سلماوى بوجوب احياء هذا الفن التراثى العريق ؟ ام انه لا يعبر عن السجية المغروسة داخل هذه الامة؟ ام ياترى يراه لا يحوز اعجاب العالم وتقديره هذه الايام ؟ ام انه ينتظر الوقت المناسب لاطلاق صيحته الداعية لأحياء هذا الفن الفلكلورى العبقرى؟
ولكى يقطع الطريق على كل من يظن بالرقص والراقصات ظن السوء او من تسول له نفسه ان ينظر اليهن نظرة متدنية او شاكة فيهن وفى عملهن فهو يؤكد ان الرقص مثله مثل اى مهنة اخرى يمكن ان يتم الارتقاء بها الى اعلى مستويات الحرفية كما فعلت فريدة فهمى فى ستينات القرن الماضى او ان يستخدم كوسيلة للكسب السريع , وهو بالطبع يدعم النوع الاول من الرقص الاحترافى المحترم الذى يكون من البيت للكباريه ومن الكبارية للبيت .
ثم ينتقل سلماوى بعد ذلك الى انتقاد النظرية القائلة بمنع الرقص لما يترتب عليه من مضار , وكأن الرقص فى ذاته خير محض , او كأن العرى وهز الوسط والبطن والارداف لا شائبة تشوبه , انما هؤلاء الطالبانيين الذين يدعون لمنعه ومنع انشاء مدارس لتعليمه انما يحتجون فقط بأنه قد تترتب عليه مضار , وبالتالى فهم يشبهون طالبان عندما منعت تعليم البنات لما يترتب عليه من مضار وادى تفكيرهم هذا الى ان اصبحنا البلد الوحيد الذى ذبح الخنازير دون ان ننجح فى منع انتقال الانفلونزا بين البشر .
ولكن القياس هنا فاسد فالرقص الشرقى هو فاسد فى اصله ولا تترتب عليه اى منفعة فتحريمه انما لما فيه من عرى واثارة للغرائز لا ينكرها الى اعمى او مخنث , اما تعليم البنات فله من المنفعة مالا ينكر , وسواء كان موقف طالبان صحيحا او خطأ فان تصرفها بنى على قاعدة تدافع المصالح والمفاسد اما منع الرقص الشرقى فلا ينطبق عليه هذه القاعدة انما هو محرم لذاته وليس محرم لغيره , اما بالنسبة لذبح الخنازير فهى وان لم تمنع انتقال المرض من الانسان للانسان فهى منعت احد الطريقين للعدوى وهو من الخنزير للانسان , وهذا اسلوبمعروف لمكافحة اى جائحة , فلو انتشر الطاعون ينصح بابادة الفئران رغم ان هذا الاجراء لن يمنع من انتقال الطاعون بين البشر لكن يقلل فرص وسرعة الانتشار .
ولكى يقطع الطريق على هؤلاء الاسلاميين الطالبانيين فهو يدعى ان الرسول كان يقدر الموسيقى والغناء وكل فن رقيق l’art raffiné , ويدعى ان هذا ورد فى عدة احاديث مستشهدا بدليل من عنديات امه ان الرسول عند دخوله المدينة استقبلوه بالعناء والموسيقى , ورغم ان تحريم الموسيقى والتصوير والنحت ورد فى احاديث عديدة اشهر من ان يحكى فهو يزعم ان منع الرقص الشرقى انما مرده الى اننا فى زمن طالبان وليس فى زمن الرسول , كأنه يود ان يقول ان الرسول – والعياذ بالله – كان سيقر تحية كاريوكا او نجوى كرم على رقصها الراقى المحترم الرقيق .
ان هذه العقلية هى نموذجا واضحا لما يمكن ان نستشرفه من ملامح الحضارة الليبرالية التى يدعون لها , فسوف يبذلون قصارى جهدهم لاعادة احياء تراث الهشك بشك الذى يمثل الواجهة الحضارية لمصر والرسالة الاخلاقية التى تتكفل بنشرها فى العالم اجمع , كما سيعملون على السماح بكل محرم مع محاربة شروره دون منعه , فالدعارة لابد من السماح بها اذ ان منطق منع الشىء لشروره هو امر لا يمت للعقل المنفتح بصلة , انما يمكن تنظيمه بما يمنع انتقال العدوى واختلاط الانساب من خلال استخدام الواقى الذكرى ووسائل منع الحمل المختلفة , كما يجب ان يكون هذا على اعلى مستوى من الاحترافية حتى يكون هناك عاهرات محترفات ترتقى بمهنة الدعارة الى ارقى درجات الاحترافية المهنية بعيدا عن الابتذال والتدنى .