السبت، 25 يوليو، 2009

سيد القمنى اباطيل واسمار

فى عصور الظلام والنكبات تكثر الخفافيش والبومات , وتزداد نسب الحماقة والسفه والسفالة , ويكون لها اربابها , و بعد عصور النور التى عشناها فى ظل حضارة دولة الاسلام , والتى تطاولت اكثر من الف عام , دارت عجلة الزمن لتظلل بلادنا غيمة الجهل والتخلف والانحطاط , وتعشش فى بيوتنا طيور الظلامية والالحاد , وليس هذا بغريب , فتلك سنة كونية , لكن الغريب ان يدعى هؤلاء المفسدون انهم اصحاب منهج , وارباب رسالة , بل وحملة مشعل التنوير , وقادة التطوير , ومن احد هؤلاء المدعو سيد القمنى , الذى ما فتىء يهاجم الاسلام ويطعن فيه , ويتطاول على رموزه , ولن نهتم كثيرا بتحليل شخصيته وتناول فكره ومنهجه , بل سأتناول عينة من نتاج كتاباته , وهو الكتاب الذى عنونه بعنوان " الحزب الهاشمى " وهو عينه الكتاب الذى أعطى عليه جائزة الدولة التقديرية فى مجال العلوم الاجتماعية .
وقيمة هذا الكتاب فى نظرى لا تنبع من كونه كتاب علمى منهجى , او انه واسع الانتشار وشديد التأثير , فكل كتابات القمنى وامثاله تكاد ينحصر تأثيرها فى قراء كرخانة روز اليوسف وما لف لفها من المطبوعات , لكن الرد على مثل هذا الكتاب انما نبع من اهتمام النصارى كثيرا بأطروحاته , واحتجاجهم بترهاته وتخريفاته , فعزمت ان ابين جانبا من زيفه وكذبه , وموضحا خطأه ومبينا تخبطه
اهداف سيد القمنى
ان محمدا لم يصنع العرب لكن العرب هم من صنعوا محمد "
هذه هى الفكرة التى يود سيد القمنى ان يوصلها من خلال كتابه , وهى فكرة قديمة قدم عصور الظلام الفكرى التى نعيشها الان , فهو يود ان يوضح ان الاسلام كعقيدة لا تمثل اى قيمة روحية او فكرية او اجتماعية تنبنى عليها حضارتنا, فما حدث من نهضة اسلامية كبرى فى عصر صدر الاسلام وما تلاه من العصور انما هو نتاج ظروف طرأت على جزيرة العرب , وافرزت الاسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وبالتبعية افرزت الحضارة الاسلامية ككل
وبالتالى يجب علينا نحن العرب والمسلمين ان نكف عن السعى وراء حلم اعادة الحضارة الاسلامية , وترك كل الصيحات التى تدعو لأصلاح الدنيا بالدين , فكل هذه الافكار مغلوطة , ومبنية على اساس خاطىء , وقراءة مشوشة جامدة للتاريخ الاسلامى , وعلينا ان نبحث فى حاضرنا وظروفنا الحالية عما يعيننا على تغيير واقعنا , كما سعى العرب منذ الف وخمسمائة عام لأيجاد طريقة تغير واقعهم ومستقبلهم
ولتحقيق هذه الغايات يقدم القمنى نظريته فى اطار رؤية جديدة لتاريخ العرب فى الجاهلية وصدر الاسلام , قوامها ترتيب الاحداث السابقة للأسلام بصورة تجعل منها مقدمات منطقية لنتيجة حتمية هى ظهور الاسلام , وجعل الاسلام مجرد وسيلة عربية لبلوغ مآرب قومية , فالاسلام هنا محطة وليس قاطرة , وما حدث للعرب من تغير كامل وتحول جذرى فى تاريخهم لم يكن الا نتيجة حتمية للتطور الاجتماعى الذى شهدته الجزيرة العربية فى القرن السابق للاسلام
اسس النظرية
احتاج سيد القمنى لتقديم نظريته الى اعادة ترسيم تاريخ جزيرة العرب لخلق الظروف التى يفترض وجودها , فأعتمد على فرضية ان الصحوة القومية العربية قد اخذت فى التصاعد فى كل انحاء الجزيرة نتيجة لحدثين مهمين هما طرد الاحباش من اليمن وانتصار سيف بن ذى يزن عليهم بالاضافة لموقعة ذى قار التى انتصر فيها العرب على الفرس , وجعل من هذين الحدثين الشرارة التى اشعلت الحمية العربية على حد زعمه
وصاحب تلك الصحوة القومية عملية تحول فى الاوضاع الاقتصادية للجزيرة بصفة عامة , حيث زعم ان الجزيرة تحولت الى ممر تجارى عالمى , تعبر من خلاله كل تجارات العالم من اوروبا الى اسيا الى الهند والصين وشرق افريقيا , فكانت النهضة الاقتصادية الكبيرة المزعومة مصحوبة بالوعى القومى المتصور هما اساس الوحدة العربية اللاحقة
لكن لو افترضنا ان الوعى السياسى والنمو الاقتصادى هما اساس قيام اى وحدة حضارية فان هذا لا يصح فى حالة العرب , الذين تمرسوا على الاستقلالية ونشأوا على النزعة القبلية , فكانت الحاجة ملحة لوجود عامل توحيد لهم , يوحد طاقاتهم وغاياتهم , ويستغل كل امكاناتهم , فكان الحل المنطقى حسبما افترضه القمنى هو النبوة
لكن فكرة النبوة تحتاج لمقدمات ايديولوجية راسخة , فجعل من الحنيفية هى تلك الايديولوجيا , ورسمها على انها فرقة عقائدية منتشرة فى جزيرة العرب , ولها وضعها المعتبر , ولها غاياتها التى افترض انها تقوم على تنصيب شخص فى مكان النبوة ليكون القائد العربى الذى يوحد كل القبائل
ولكى يبرر ظهور النبى فى مكة دون سائر البلدان , رسم لمكة صورة اخرى تقوم على نفس المحاور التى رسمها لجزيرة العرب , فهى كما ادعى ( ترانزيت عالمى ) , تمر من خلالها كل التجارة العالمية , فأكتسبت مكانتها بين العرب من هذا المنطلق وحده , وليس لأنها بلد الله الحرام , او لأن العرب عظموها لوجود الكعبة والحجر الاسود , فتطورت مكة سياسيا بعد نموها الاقتصادى وصارت الاصلح لقيادة العرب ولظهور النبوة فيها
ثم بعد ذلك يجعل من بنى هاشم البيت الامثل لظهور النبوة , ففيهم عبد المطلب المصلح الاجتماعى الحنيفى – على حد زعمه – الذى اثر فى الرسول ايما تأثير , وصاحب الفكر السياسى الناضج , الذى مكنه من معرفة حقيقة ان النبوة هى التى ستوحد العرب لا شىء اخر
وبعد كل هذه المقدمات , يفرغ الاسلام من كل اتصال له بالوحى والسماء , فيزعم ان فكرة النبوة انما اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم تبعا لتأثره بجده الحنيفى , والتشريعات الاسلامية انما استقاها مما شرعه زيد بن عمرو بن نفيل , اما القران فما هو الا اقتباس من اشعار امية بن ابى الصلت
وبعد كل هذا الهذيان يمكن ان يتوصل بكل سهولة الى ان دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انما كانت مجرد تطبيق لطموح سياسى جال بخاطر الهاشميين ونضج فكريا فى ذهن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم , متزامنا مع الايديولوجيا الحنيفية ومتحالفا معها , وكان الرسول هو المنفذ لا اكثر لكل هذه النظريات والمساعى , ونجاح الدعوة وانتشارها بعد ذلك انما كان بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى جعلت العرب تواقين لحلم الوحدة القومية , لأستغلال كل امكاناتهم التى تساعدهم على بناء امبراطوريتهم
نقد النظرية القمنية
ان افتراض ان النبوة هى الحل السياسى العبقرى لمعضلة غياب عامل التوحيد الذى يجمع العرب جميعا هو فرض ساقط عقلا , فالنزعة القبلية الاستقلالية كما ترفض اى توحد تحت راية سياسية واحدة كذلك ترفض التوحد تحت اى مسمى اخر حتى لو كان النبوة , فكما سيقول العربى لماذا نخضع لفلان ولا نخضع لرجل من قبيلتنا يمكنه ان يقول ايضا ولماذا لا يكون فينا هذا النبى , بل لقد قالوها , ولا ادل على ذلك من ظهور الانبياء الكذبة فى اليمامة واليمن ونجد , فقال طلحة النميرى " كذاب ربيعة خير عندنا من صادق مضر " , فالتعصب للقبيلة لا يغلب عليه خضوع لأى عامل اخر , وعليه فلا يمكن اعتبار ان النبوة مجرد حل لمعضلة التعصب القبلى
وان قال احدهم ان النبى قام باحلال الانتماء الدينى أو العقدى محل القبلى بغرض تبديد هذه العصبية لأغراض سياسية لقلنا ان هذا يستلزم طريقا طويلا يحتاج معه لأقناع الناس بهذا الانتماء العقدى اولا , وترسيخه بقوة بحيث يصبح اقوى من العصبية القبلية , ولو كان الرسول يتحرك من منطلق سياسى محض – كما يزعم القمنى – فكان الاولى له ان يستخدم معيارا توحيديا موجودا اصلا فى نفوس العرب , ولا شىء فى هذه الحالة افضل من النزعة القومية العربية , فهو بذلك يوحدهم كأمة عربية واحدة , تكون المساواة فيها بين كل العرب هى الاساس , بل ويضمن عدم مخالفتهم اياه ومحاربتهم له فى مسائل الاعتقاد , وكذلك لا حاجة له ليصطدم معهم فى امور الحل والحرام وتقييد شهواتهم , وفوق هذا وذاك لن يسوى بينهم وبين الاعراق والقوميات الاخرى ,فسيكونوا هم الاولى بكل الحقوق دون غيرهم , ويمكنه ان ينشىء - تبعا لهذا الانتماء القومى - كيانا اشبه بالكيان الرومانى
وفيما يخص النقطة المتعلقة بضرورة اقناع العرب بأولوية الانتماء العقدى على القبلى فلكى يقنعهم بصدق نبوته لابد أنه يكون هو فى داخله مؤمنا بهذا إذ أن فاقد الشىء لا يعطيه وهذا يجرنا للحديث عن ضرورة التسليم بصدقه واخلاصه كما هو حتى قول الدارسين فى الغرب بوجه عام وفقا لما ذكره ريتشارد بيل ومونتجمرى وات (1) وكذا وفقا لقول برنارد لويس المؤرخ اليهودى المشهور : أن المؤرخ العصرى لن يقبل بأن دينا عظيما وذا شأن كالاسلام ابتدأه دجال أنانى ** وقول مونتجمرى وات بأن صدق النبى واخلاصه لابد ان يقبله المؤرخ العصرى لان هذا وحده يمكن أن يفسر نشوء دين عظيم كالاسلام ***
بل حتى وفقا لبعض اللاهوتيين المسيحيين ورجال الدين المسيحى من أمثال الأسقف الأنجليكانى Kenneth Cragg وعالم اللاهوت الشهير John Macquarrie (2)
وهذا ينسف دعوى القمنى من أساسها من ان الاسلام هو مشروع قصد به بنو هاشم ان تكون لهم السيادة على العرب وأن النبى ادعى النبوة لتحقيق مجد دنيوى زائل وهذا يعنى أن كلام القمنى هذا كمال يقال " out of fashion " أو موضة قديمة .

واحد اوجه الخلل المنطقية فى النظرية ايضا كونها قائمة على فرضية هشة , وهى ان العرب سيغيب ان اذهانهم ان دعوى النبوة من قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – بغرض سياسى , فهذا اول ما سيتبادر الى اذهان القوم , ولن تنطلى عليهم هذه الحيلة السياسية , بل انهم ظنوا فعلا فى بادىء الامر ان هذه الدعوة انما لغرض سياسى بغية التملك عليهم ولذا قال عتبة بن ربيعة للنبى صلى الله عليه وسلم كما ورد فى سيرة ابن هشام : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ..... [ ص: 294 ]
نقطة ثالثة وهى الزعم بأن الاسلام كان دعوة حزبية من بنى هاشم بغرض التسلط على كل العرب , فأسأل لماذا آمن بالاسلام فى اضعف اللحظات واحرجها ناسا من بنى امية ( كعثمان ابن عفان وعمرو بن سعيد بن العاص، وخالد بن سعيد بن العاص،و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وبنت أبى سفيان بن حرب ) المنافس التقليدى للهاشميين كما يحلو للقمنى ان يسميهم , وكيف كان من بنى هاشم من يناوىء الدعوة كأبى لهب و كان أول من جهر بعداوة الإسلام لما جهر الرسول عليه الصلاة والسلام بدعوته، ولم يكتف بالمعارضة الصريحة بل عضدها بالعمل والكيد، فقد مارس صور شتى أنواع أذى الرسول وصد الناس عنه. بل إن أبا لهب لم يدخل مع قومه شعب بني هاشم لما حاصرتهم قريش فيه، ولما لم يستطع الخروج مع قريش لقتال الرسول يوم بدر استأجر بدلاً منه العاص بن هشام بن المغيرة بأربعة آلاف درهم وكان له من الابناء عتبة ومعتب وعتيبة وقد أسلم الأولان يوم الفتح، وشهدا حنيناً والطائف، وأما "عُتيبة" فلم يسلم، وكانت "أم كلثوم" بنت رسول الله عنده، وأختها "رُقية" عند أخيه عُتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إِن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهماوتزوجهما فيما بعد عثمان بن عفان ولما أراد "عُتيبة" - بالتصغير - الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتينَّ محمداً وأوذينَّه فأتاه فقال يا محمد: إِني كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل أمام النبي وطلَّق ابنته "أم كلثوم" فغضب ودعا عليه فقال: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) فافترسه الأسد. الا يكفى هذا الامر لنسف الادعاء من اساسه ان الاسلام كان وسيلة لتحقيق الاطماع الهاشمية ؟
أما الكلام عن كون التشريعات الاسلامية مصدرها زيد بن عمرو بن نفيل وكذا كون القرآن منحول من أشعار أمية بن الصلت فهذا إن دل على شىء دل على سذاجة هذا الافاق وسطحيته فى الطرح فالتشريعات الاسلامية إنما جاءت لتعالج واقع تعيشه الجماعة الإسلامية وتمثل انعكاسا لهذا الواقع الذى كان زيد بن عمر بن نفيل بمعزل عنه ( مات قبل البعثة النبوية ) وهنا يذكر تاريخ الإسلام لجامعة كامبريدج أن الدين فى حالة النبى هو استجابة النبى الكلية للواقع الكلى الذى وجد نفسه فيه فهو لم يكن فقط يستجيب لما يسميه الغربى الجوانب الدينية والفكرية للواقع بل ايضا للضعوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية * ثم لمن يشرع عمرو بن نفيل تشريعات تفصيلية ـ بتقدير أنه فى مقدوره ذلك ـ وهو لا يتطلب منه واقعه ذلك فليس هو بمتبوع ولا قائد لجماعة تدعوه الضرورة لسن هكذا تشريعات لتنظم شئون تلك الجماعة !!
لكن القمنى " يجعل من الحبة قبة " فلمجرد أنه قرأ فى السيرة أو فى كتب الحديث أنه اعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان وأنه أدرك شباب النبى وأن النبى لقيه فى بلدح أسفل مكة فقدم له النبى سفرة فيها لحم فقال لا آكل مما يذبحون على انصابهم ..
فلاشك اذا أنه مصدر التشريعات التى شرعها النبى لأمته وأنه لعب دورا هاما فى صياغة أفكاره الدينية !!
والمعلوم أن مثل ذلك عند اهل الكتاب وهو فى شريعة التوراة وعنهم أخذ عمرو بن زيد بن نفيل وأصاب من علمهم ولقى احبارهم إلا أنه لم يقنع بدينهم فكان على ملة ابراهيم
وهذا يردنا الى مسألة اخرى هى العلاقة بين القرآن واسفار اهل الكتاب ودعوى ان بعض المبادىء والافكار التى ودرت فى القرآن تمثل انعكاسا لبعض ما ورد فى تلك الاسفار وهذه مسألة ليس هذا موضع بسطها إنما ما يهمنا هنا تفنيد دعوى القمنى حول علاقة زيد بن نفيل بالتشريعات الاسلامية
اضافة الى ذلك فكما هو معلوم فزيد بن عمرو بن نفيل هو والد الصحابى الجليل سعيد بن زيد وعم الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكيف لم يعلما أن التشريعات الاسلامية هى منحوله مما " شرعه " زيد بن نفيل ان كانت لزيد بن نفيل شريعة ؟!!
فكيف اذا امنوا به وصدقوه لو كانوا يعلمون عنه ذلك ولا شك انهم كانوا سيعلمون لو كان حقا ان شريعة الاسلام هى مجرد انتحال لما سبق وان شرعه زيد بن نفيل

و قد اخرج الإمام احمد بن حنبل في مسنده (1648) و الحاكم في مستدركه (3/440) و ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (9/417) و صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد :
أن سعيد بن عمرو بن نفيل و عمر بن الخطاب قالا لرسول الله صلى الله عليه و سلم : أنستغفر لزيد بن عمرو ؟ قال : نعم ، فإنه يبعث أمة وحده
وكذا الكلام على أشعار امية بن الصلت فلو كان القرآن منحولا منها لعلم ذلك القاصى والدانى فليست أشعار امية بن ابى الصلت بمجهولة لدى عرب الجاهلية ولكان هذا مطعن فى القرآن ولمزيد من التفصيل حول هذه المسألة يمكن الرجوع الى مقال للدكتور ابراهيم عوض بعنوان " القرآن وأمية بن أبى الصلت أيهما أخذ من الآخر "
وفيه يذكر ان تلك الاشعار المنسوبة اليه والتى يوجد تشابه بينها وبين بعض آيات القرآن هى اشعار ملفقة مكذوبة وضعت فى فترة تدوين السير والدواوين الشعرية ولا أفضل ههنا من تعليق سيد قطب رحمه الله " لو كان قادرا على مثله ليظهرن به لنفسه "
يقول بعض من تناولوا كتابات القمنى بالنقد وهو الكاتب منصور أبو شافعى أن القمنى اعتمد ما أسماه بـ"المعطى الجاهز له من أهل التاريخ" عن الصراع الهاشمي الأموي قبل البعثة الإسلامية.
ورغم أن سبب هذا الصراع كما سجله الطبري (مرجع القمني) أن هاشم بن عبد مناف أطعم قومه الثريد "فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف -وكان ذا مال- فتكلف أن يصنع صنيع (عمه) هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب (أمية) ونال من هاشم".
ورغم أن أغلب الكتب التراثية التي روت واقعة الصراع قدمت معلومات تشكك في حقيقته، منها أن "هاشم توأم عبد شمس"، و"كان لهاشم يوم مات خمس وعشرون سنة". أي وكان لعبد شمس يوم مات "توأمه" خمس وعشرون سنة. وهي معلومة -كما نرى- تثير تساؤل: كم كان سن أمية يوم مات عمه أخو أبيه وتوأمه؟ (خمس سنوات أو حتى عشرة).

بل ورغم أن ابن إسحاق وابن هشام وابن سيد الناس وابن كثير سكتوا عن مجرد الإشارة إلى هذا الصراع في مؤلفاتهم التي تصنف ككتب "أصول". فقد تجاهل القمني كل ما سبق حتى لا يشك في تاريخية هذا الصراع الذي انتقاه ليكون "القاعدة الماضوية" والمحرك للمجتمع المكي على جسر "الدين" نحو "الدولة".
القمنى فى محاولته لكتابة هذه المرحلة من التاريخ الاسلامى لم يعجبه الواقع كما هو فقرر أن يقوم بمعالجة درامية على غرار الافلام والمسلسلات التى تتناول مسائل تاريخية فى السينما والتلفزيون المصرى التى من شأنها أن تزيف التاريخ وتقلب الواقع رأسا على عقب
فقد رسم فى خياله المريض صورة لما يجب أن يكون عليه الواقع وفقا لأيديولوجيته المادية الماركسية ثم راح يفتش هنا وهناك فى كتب التراث عله يجد ما يعضد به تصوراته تلك لكننا نراه يلجأ الى التحريف والتحوير والتحايل على الاخبار الواردة بقطع النظر عن مدى صحتها كى يحملها معان لا تحتملها وكثير مما يصوره هو من عنديات أبيه لا أساس ولا سند له فى المنقول
أمثله على التحريف:
يقول نفس الكاتب السابق : في توثيقه لدور عبد المطلب "التأسيسي" للدين "التوحيدي" قطع القمني بأن ما ذهب إليه هو نفس ما يؤكده ابن كثير بما رواه عن عبد الله بن عباس عن "ديانة أبي طالب بن عبد المطلب: هو على ملة الأشياخ. هو على ملة عبد المطلب".

وبالرجوع إلى مرجع القمني ("البداية والنهاية" - جـ 3 - 170) وجدنا ابن كثير في فصل "وفاة أبي طالب" وفي تعليقه على آية (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) يروي عن عبد الله بن عباس "أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله أن يقول: لا إله إلا الله. فأبى أبو طالب أن يقولها. وقال: هو على ملة الأشياخ.. هو على ملة عبد المطلب".
ومن سياق ما رواه ابن كثير (وأخفاه القمني بقصد) نفهم أن الحفيد (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب) روى أن عمه (أبو طالب) رفض أن يقول "لا إله إلا لله". وتمسك (ضد هذا القول التوحيدي) بملة الأشياخ (آباء البيت - الحزب الهاشمي). وتحديدا بملة عبد المطلب التي حسب ظاهر وباطن السياق لا تقول (أي لا تؤمن) بلا إله إلا الله. ورواية الحفيد (ابن عباس) استشهد بها ابن كثير لتأكيد موقفه الذي سجله في أكثر من موضع في كتابه من أن "عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية" (ج2 ص 285).
ونضيف أن ما فعله القمني من تحريف لما رواه ابن كثير كرّر فعله مع ما نقله عن "السيرة الحلبية" (جـ1 ص73) في توثيقه لما أسماه بـ"علم عبد المطلب اليقيني بنبوة حفيده محمد" وسعيه لتحقيق هذا "اليقين" على أرض الواقع بالزواج من بني زهرة. وأيضا هذا التحريف هو ما فعله مع ما نقله عن كتاب "طوالع البعثة المحمدية" (للعقاد) في توثيقه لشرط "توحيد الأرباب" في أنه كمقدمة لازمة لـ"توحيد القبائل" في دولة، ولشرط "أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيّا مثل داود".
كل هذه الوقائع (وهي غيض من فيض ) تؤكد تدخل القمني في نصوص مراجعه "ليجبرها" (بالتحريف والتحوير) على تمكينه (كماركسي - مادي) من تخييل عبد المطلب ليس فقط كقائد لـ"الحزب الهاشمي" في صراعه (الأسطوري) مع "الحزب الأموي". إنما -أيضا والأهم- لتخييله "كمؤسس" للدين (الحنيفية - الإسلام) وللدولة (العربية - الإسلام). وكل هذا لحصر دور حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في دائرة "التنفيذ". اهـ
زواج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة :
زعم الافاك النجس سيد القمنى أن النبى فى سبيل تحقيق ما اسماه الأمان المالي تزوج "الأرملة الثرية" خديجة بنت خويلد بعد خداع والدها وتغييبه عن الوعي (بالخمر) لانتزاع موافقته التي تنكر لها بمجرد استيقاظه. ووصل الأمر بالأب إلى حد التظاهر ضد هذا الزواج في شوارع مكة. ولتأكيد هذا الخداع أشار القمني وبكل ثقة إلى نقله لهذه المعلومة عن ابن كثير.
وبالرجوع لابن كثير فى كتاب البداية والنهاية نقرأ أن اخت خديجة رضى الله عنها كلمت اخاهما ان يكلم اباهم فى شأن زواج النبى من خديجة فجاؤه وهو سكران فكلمه فأجابه ثم استيقظ صاحياً فقال‏:‏ ما هذه الحلة‏؟‏ وما هذه الصفرة وهذا الطعام‏؟‏
فقالت له ابنته هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤه فكلموه‏.‏
فقال‏:‏ أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة‏؟‏ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال‏:‏ إن كنت زوجته فسبيل ذاك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته‏.وليس فى الخبر أن النبى سقاه خمرا كما يزعم هذا المأفون
ثم ان ابن كثير علق على هذا الخبر بقوله : قال المؤملي‏:‏ المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه، وهذا هو الذي رجحه السهيلي، وحكاه عن ابن عباس وعائشة ‏‏
‏وبالتالى فحتى الرواية التى استند اليها القمنى بعد تحريفها انما هى رواية ضعيفة مردودة ولم يكفه ضعفها حتى زاد عليها تحريفا وتزويرا كطبيعته الكاذبة .
ومما سبق يتضح لنا مدى ضحالة وانحطاط اطروحات سيد القمنى من الناحية العلمية والمنهجية , ورغم كثرة الادلة على فساد تخريفاته وبطلانها وكذبها من الناحية العلمية والمنطقية الا ان كثيرين من اعداء الاسلام والموتورين منه ما فتئوا يتغنون بحرية الرأى , واخرهم قناة النصرانى ابن النصرانية نجيب ساويرس التى تناولت فى احد برامجها المسمى ( بالمصرى الفصيح هذه القضية ) ,وانبرت المذيعة ومعها كلاب العالمانية فى مصر للدفاع عن سفالة وحقارة القمنى بدعوى حرية الرأى وانتقدوا فتوى دار الافتاء بتكفير قائل الكلام الذى احتواه كتاب القمنى , ولا ادرى كيف يمكن ان يمنع علماء الازهر ودار الافتاء من اصدار فتوى فى امر يتصل مباشرة بالاسلام والرسول ؟ او وقاحة هذه ؟ لكن هانقول ايه اللى فيكى فيكى يا كنيسة عمرك ما هاتبقى جامع .
‏.

هل صح قول من الحاكى فنقبله ام كل ذاك اباطيل واسمار
اما العقول فآلت انه كذب والعقل غرس له بالصدق اثمار


-------------------------------------

· Cambridge History of Islam , p. 30
· ** The Arabs in History, Lewis,p.45-46
· *** The Cambridge History of Islam (1970), Cambrdige University Press, p.30
· (1) Bell’s Introduction to Qur’an , p.18
· (2) Kenneth Cragg , The Call Of The Minaret,P.75 ,,, John Macquarrie , Mediators , p. 130