الجمعة، 30 يناير، 2009

درس أردغان لمعاشر العربان

من الواضح أنَّ سبب الفرح بما فعله السيد رجب أردغان في بيريز , وبمنتدى دافوس ، عندما ردَّ غاضبا على وقاحة هذا الصهيوني العفن ، وغادر المؤتمر محتجاً على ما جرى فيه ، أنه كالفرح بحركة الخنصر بمن أصابه الشلل التام ، رجاء أن تسري هذه الحركة يوما ما في سائر الجسـد .

وليت شعري إنَّ هذا المشهد لمحزن جداً من وجه آخر ، فكيف نفرح بموقف لايعدو كلاماً ، ومقاطعة مؤتمـر في مقام عابـر ـ كان الواجب أنْ لا يُحضـر أصـلا مادام هذا الكيان الصهيوني المجرم فيه ـ في مقابل احتلال الصهاينة لأرضنا ، وقتلهم أبناءنـا ، وإهانة كرامتنا ، ومضيهم في هذا النهج بتحـدِّ سافــر لأمتنــا كل يوم ؟!

وذلك أننا ـ ولنا الحق في ذلك ـ نقارن بين حالنا اليوم ، وماضينا المجيد ، لاسيما مشهد (وامعتصماه) ، بل مشهد الخلافة العثمانية وهي تردِّد مقولة السلطان عبد الحميد الشهيرة ، عندما طلب منه اليهود أن يسمح لهم ببناء بعض القرى في فلسطين لتكون وطنا لهم : (تقطع يمينى لا أوقع على وثيقة يكون لليهود بموجبها موطئ قدم فى فلسطين .. إن عمل المبضع فى جسدى ، وتمزيقه إربا ، أهون عليّ أن أرى فلسطين ، وقد بترت من جسم دولة الخلافة) .

غير أنَّ هذه المقارنة ينبغي أن لاتنسينا أنَّ نهضـة الأمم تبدأ أحيانا بخطـوة قد تحتقرها العيـن ، وأنَّ سنة الله تعالى اقتضت إعتبـار عامل الزمن في التغيـرات الكبيرة ، وأن تجاهل هذه السنة الكونية ، سبيل المتعجليـن المحرومين من ثمار النجاح.

وإنَّ في تركيا اليوم رجوعاً عظيماً للإسـلام ، واعتزازاً كبيـراً بهويتهـم الإسلامية ، وانتماءهم الديني ، وتاريخـهم الوضـّاء في حملة راية الإسلام ، والدفاع عنه.

ومن يرى تفاعل الشعب التركي البطل مع قضايا الأمة في السنوات الأخيرة ، يرى هذا التغيّـر واضحا كرابعة النهار ،

ولاريب أنَّ في موقف الزعيم التركي ـ على ضعفه بالمقارنة التي ذكرناها ـ دروسا تكشف لنا أن تخاذل الزعماء العرب ، إنما هو بسبب عجز ذاتي ، ومهانة نفسية ، وضعف صنعوه لأنفسهم بأنفسهم ، وليس لأيِّ سبب آخر .

فالسيد أردغـان لم يقم وزنا لما يخـوِّف بها الصهاينة أهل النفوس المهينة ، من قدرات وهميّة هائلة على الإضرار بالدول فضـلا عن الشخصيـات ، ولا أقام اعتبارا للدعم الأمريكي والأوربي اللاّمحدود لهذا الكيان الخبيث ، ولا خشي أن يلاحقوه ، أو يقعدوا له بكلِّ مرصد ، ليحرموه من كرسيِّ يتخذه نداً مع الله كما يفعل الزعماء العرب.

بل وجـَّه إهانات مباشرة للقاتل المجرم بيريز ، هذا السفاح الذي أكرمه الزعماء العرب وهم أذلة ، في مؤتـمر نيويورك الذي أطلق عليه ( حوار الأديان ) ، وهو بأن يسمى شباك الشيطان أحرى وأولى ،

وجه الإهانـات لهذا السفاك في مؤتمر ( دافوس ) ، وكذَّبـه جهارا ، وأدار ظهره إلـيه ، وإلى كل الحاضرين أمامه ، مستنكراً أن يصفق هؤلاء المجرمون جميعا لهذا القاتل ، وخرج مترفعا أن يبقى في مثل هذا المكان .

صحيح أنَّ موقف يسير ـ وهو أقل بكثير من موقف شافيز البطل ـ في مقابل جرم الصهاينة الكبير ، غير أنَّ فيه دروسا لمعاشر الزعمـاء العرب الذين بقوا صامتين ، مذهولين ، واكتفى عمرو موسى بجعجعته المعهودة ، التي لا طحـن فيها ، ولا هـي يعول عليها.

ومن الدروس المستفادة أيضا ، أنه لولا جذور أردوغان الإسلامية ، وبقايا أثـر الخطاب الإسلامي في شخصيته ، لما وقف هذا الموقف ، ولاننسى أنه قد أشار إلى هذا ، من أول أيام العدوان الصهيوني على غزة ، معتزاً بإنتماءه إلى الخلافة العثمانية.

وفي هذا درس أخـر أنَّ الإسلام هو منبـع عزِّ هذه الأمـة ، فكما أن حماس انتصرت بالإسلام ، وهتفت لها الأمة الإسلامية ، بسبب جهادها بهذه الراية ، وقف الترك مع القضية الفلسطينية بسبب إسلامهم ، أو بقيـَّة باقية منه .

وهاهـم اليوم يعودون إلى إسلامهم ، ويضربون أمثلـة لبني العروبة ، ويعطونهـم دروسا في العزَّة ، والإعـتزاز بالإسلام ، متذكِّرين تاريخهـم الناصع الذي نعـتز به.

ولاريب أن هذا التاريخ الناصع ، قد تعرض لحملات كبيرة من التشويه المنظم ، واكبـت فترة الإستعمار الماضي ، عندما تداعت الأمم على الخلافة لإسقاطها ، وبعد سقوطهـا ، لئلا يبقى هذا النموذج الإسلامي مصدر إلهام في الأمـَّة ،

وقد تـمَّ لهدف تشويه تاريخ الخلافة العثمانية تجنيد كثيـر من المفكرين ، والكتاب العرب ، وغيرهـم .

ولهذا فسوف نكتب إن شاء الله تعالى ومضات من تاريخ الخلافة العثمانية في المقال القادم ، موجهـين العلماء ، والدعاة ، إلى مد اليد لهذه النهضة الإسلامية المباركة في تركيـا .
لقد سمعوا من التُرْك اليقينـا
رسالـةَ مفهمٍ قولاً مُبيــنا
وقالوا الحقَّ في (دافوسَ) جهْراً
وأُسْكت عُربنا صَمْـتا مُهينا
وأصبحَ (أرْدغانُ) بلا مـراءٍ
يفـوقُ عروبـةَ المتَعـرِّبيـنا
رأى (البيريز) يفخر بإنتفـاخٍ
بقـتل المسلمينَ المؤمنيــنا

وكان يقول من سَفهٍ كلامـاً
ويُظهـر حقدَ أنجاسٍ دفيـنا
فألقى (الأردغانُ) عليه ردَّاً
فأغضى ، والخبيثُ بدا مَهينا
وقال مُقدَّم الأتراكِ : فاخسأ
فكـمْ من ظلْمكم ذقْنا سنينا
وأنتم تقتلون النَّـاس ظلْمـا
وأنـتم تزعمـونَ المصْلحيـنا

وأنتم تقتـلون الطفلَ طحْنـاً
وأنــتم أكذب المتكذِّبـينا
وقامَ يمـرُّ في عجَـلٍ ويرقـى
ويتـْركُ مجْمــعَ المتهوِّكيـنا
وأمرُ العرْب أصبحَ في اضْطرابٍ
مـنَ الذلِّ الذي أمسى خدينا
بقوْا في مجْمــع الإذلال صمْتا
فشاهـتْ أوجــهُ المتذلِّلينـا

وكلُّ الشأْنِ عندهُـمُ خـِلافٌ
سوى ذلِّ بـه متوحــِّـدونا
***
فيا أهـلَ العُروبة مـن نِزارٍ
ومـن مُضَـرٍ أرى متوثِّبيـنا
على الإسلامِ متحِّدين كونوا
وعـوُدوُا للجهادِ مُوحَّديـنا
وقودوا الفرس والأتراك كـلُّ

أخـاءٌ فيه متفقـيـنَ ديـنا
جميعـاً لايفرقّهــم لسـانٌ
ولاعـرقٌ لــه يتعَصـَّبونا
إلى (الصهيونَ) منتصرين سيروُا
لنضـرمَ أُسَّ دولتـها أتـونـا
لنتركهم ذوي ذلِّ صغــاراً
ونرفـعَ عن فلسطـينَ الأَنينا

حامد بن عبدالله العلي