الاثنين، 8 نوفمبر، 2010

عن السفه اتحدث

منذ زمن كتب الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيرى مقالة رائعة عن الطبيعة الاستهلاكية التى تغزو مصر , وقد ضرب لها مثلا بالمركز التجارى المسمى بسيتى ستارز , وقد كان غاية تصورى عن سيتى ستارز انه مول تجارى تتجمع فيه محلات تابعة لماركات عالمية تعرض بضائع عالية الجودة وعالية السعر ايضا ,وربما يكون فيه بعض المطاعم , وربما قليل من المراكز الترفيهية , وكان تصورى انه ربما لا يختلف كثيرا عن كارفور , وكنت ارى بناءا على تصورى هذا ان الدكتور المسيرى محق فى ابداء القلق من حالة السفه والطبيعة الاستهلاكية التى تتجه اليها شرائح معينة من الشعب المصرى .

ففى كارفور مثلا رأيت تحفة كريستالية يبلغ ثمنها 17000 ( سبعة عشر الف ) جنيه على شكر سفينة , وكانت رائعة فعلا , ورغم اقرارى بروعتها الا اننى رأيت انه سعر لا يمكن ان يدفع فى تحفة فنية توضع ليشاهدها صاحبها , وكان هذا هو سقف تخيلاتى عن حالة السفه التى تكلم عنها الدكتور المسيرى.

الا اننى عندما ذهبت لسيتى ستارز عرفت انه حتى الخيال البشرى له حدودا , فرأيت اشياءا لم اصدم لمشاهدتها , نعم جميلة ورائعة لكنها ليست اكتشافات علمية وحضارية هائلة , ليست تلك المنتجات التى نقف امامها فاغرى الافواه من الدهشة والاستغراب , فمثلا طقم للشاى بسعر يتجاوز 7000 ( سبعة الاف ) جنيه لماذا؟ فى بيتنا اكثر من طقم للشاى وكلها تصلح لاداء المهمة بكفاءة رائعة , بل ان اكواب الزجاج تؤدى المهمة منذ سنوات دون ان يعتريها الملل او السأم , فلماذا يدفع انسان هذا المبلغ لكى يشرب الشاى؟

ولكن ما صدمنى حقا ان اشاهد تليفزيونا صناعة يابانية ماركة باناسونيك مساحته 103 بوصة , وصورته رائعة وجذابة ومبهرة ايضا , لكن ان يكون ثمنه 199000( مائة تسعة وتسعون الف ) جنيه فهذا مالا يمكن ان اتصوره ابدا .

ماذا يمكن ان يقدم هذا التليفزيون زيادة عن جهاز ثلاثين بوصة ونفس الماركة ولكن بسعر يقل عن 10000 جنيه؟ بل ماذا يقدم زيادة عن اى جهاز نمتلكه فى بيوتنا ؟

وهل حقا يوجد فى مصر اشخاص يمكن ان يدفعوا هذا المبلغ فى جهاز تليفزيون؟ يبدو ان هناك اناسا فى مصر لا نراهم ابدا ولا نعرف كيف يعيشون , ولا يمكن ان نقول فى وجود مثل هؤلاء ان مصر فقيرة , لكن هل حقا يدفع مثل هؤلاء الضرائب؟ هل يتذكرون دفع الزكاة للفقراء؟ لو ان الذين سيشترون هذا الجهاز قرروا التنازل قليلا والاكتفاء بجهاز فى نصف المساحة وقدموا باقى الثمن لأوجه الخير لربما شاهدنا انجازا تحقق فى مجال ما .

لكن ما اثار استغرابى حقا ان يوم المشترى بنقل هذا الجهاز فى سيارة مخصصة للنقل سعرها سيكون حتما اقل من هذا التليفزيون .

وهنا طرأ على ذهنى خاطر مخيف , ماذا لو اننى تعثرت وسقطت وكسرت الجهاز؟ سوف اضطر لبيع الشقة لكى اوفى بثمنه لأن كلمة اسف لن تكون كافية فى مثل هذه المواقف , وهنا سارعت الخطى خارج المحل خوفا من وقوع مكروه ।