الاثنين، 22 سبتمبر، 2008

القدر

قال تعالى : وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه البخارى: ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا أَلَا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ‏ . اى ان الله يسبب اسبابا للهدى بها يعمل بعمل اهل الجنة من كتبت له الجنة واخرى للضلال بها يعمل بعمل اهل النار من كتبت له النار
وفى الحديث الذى رواه أحمد :

إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ مَسَحَ ظَهْره بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة قَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْره فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة قَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْل النَّار يَعْمَلُونَ " فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه فَفِيمَ الْعَمَل قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا خَلَقَ اللَّه الْعَبْد لِلْجَنَّةِ اِسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل الْجَنَّة فَيُدْخِلهُ بِهِ الْجَنَّة وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْد لِلنَّارِ اِسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْل النَّار حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل النَّار فَيُدْخِلهُ بِهِ النَّار" .

ومن ذلك قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
اى ان تفصيل الايات الغرض منه الزجر والردع كى ينتهوا حتى وان لم يؤتى الثمار التى ترجى منه من جهة من ختم الله على قلوبهم لكن على اقل تقدير ليكون اقامة للحجة عليهم فيكون المعنى نفصل الايات بُغْيَة ان يرجعوا
ومعلوم ان ثمّ من كتب لهم الهداية فيكون تفصيل الايات سببا لهداية من كتب له الهداية .
وليس بمعنى ان الامر لم يتقرر بعد بل تقرر لكن فى علم الله والله يسبب الاسباب
قال بن جرير الطبرى : الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمَا فَصَّلْنَا يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك آيَات هَذِهِ السُّورَة , وَبَيَّنَّا فِيهَا مَا فَعَلْنَا بِالْأُمَمِ السَّالِفَة قَبْل قَوْمك , وَأَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ الْمَثُلَات بِكُفْرِهِمْ وَإِشْرَاكهمْ فِي عِبَادَتِي غَيْرِي , كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات غَيْرهَا وَنُبَيِّنهَا لِقَوْمِك , لِيَنْزَجِرُوا وَيَرْتَدِعُوا , فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي وَيَتُوبُوا مِنْ شِرْكهمْ وَكُفْرهمْ , فَيَرْجِعُوا إِلَى الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِتَوْحِيدِي وَإِفْرَاد الطَّاعَة لِي وَتَرْك عِبَادَة مَا سِوَايَ

قال بعضهم : انت مكتوب عليك مقعد ومنذ الازل في النار مثلا ،، فما هي فائدة صلاتك ؟؟

قلت : فائدة اقامة الصلاة وغيرها مما افترضه الله هى أن تأخذ باسباب النجاة وتنصاع للأمر لانك ببساطة لا تعلم مصيرك فاذا اخذت باسباب النجاة واجتهدت فى ذلك فعسى الله أن يجعل ذلك سببا لنجاة قدرها لك
ولا دخل لك بما قدره الله فما عليك هو ان تجتهد فى الطاعة باعتبارك مختارا ذو ارادة وان كانت ارادتك موافقة لارادة الله
فلا يعنى ذلك ان تهمل الاخذ بالاسباب
فمن المعلوم ان من يأخذ باسباب التفوق الدراسى يحقق نجاحا فى ذلك بخلاف من يتكاسل او يتراخى
فأخذك بالاسباب له فعل وأثر فى مصيرك وان كان نفس أخذك بالاسباب من عدمه مقدر عليك فهذا امر فقط تعتقده ولا يجوز ان تركن لكون كل شىء مقدر وتهمل الاخذ بالاسباب .

والمرأ يعى جيدا الفرق بين ما يصدر عنه بارادته وبين ما لا يصدر عنه بارادته وهو محاسب على النوع الاول ـ هذا واقع الامرـ وان كان واقع الامر ايضا ,وتلك تصير مسألة اعتقادية لا يجوز لاحد ان يحتج بها على المعاصى ,ان ما يصدر بالاختيار وكذلك بغير اختيار مقدر
فمفهوم القدر اوسع من الجبر
وهذا الذى جاء به القرآن والسنة : الجمع بين القدر والشرع اى مبدأ الثواب والعقاب
لأن هذا واقع الامر وليس ما يراه هذا أو ذاك
مسألة ان الله يضل :

قال تعالى : إن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. الآية

وفى العهد القديم :

حز 14:9 فاذا ضل النبي وتكلم كلاما فانا الرب قد اضللت ذلك النبي وسأمد يدي عليه وابيده من وسط شعبي اسرائيل.




ليس المقصود بالطبع ان الله يبعث الرسل بمنهج من شأنه ان يضل الناس و ينحرفوا عن سواء السبيل هذا من جهة و من جهة أخرى فان نسبة الإضلال قد تكون نسبة الى السبب حتى و لو لم يصدر من هذا السبب الذى ينسب اليه الإضلال ما من شأنه التضليل و التلبيس و خلط الحق بالباطل
فهو يقوم بدور سلبى فى ذلك الامر و مثال ذلك قول الله على لسان ابراهيم الخليل فى شأن الاصنام:
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
او قد يكون فعال كأن يفترى على الله الكذب و يدعو الناس الى ضلالته و يجادل بالباطل ليدحض به الحق
مثل قول الله تعالى فى شأن فرعون :
و أضل فرعون قومه و ما هدى
و فى شأن السامرى:
قال فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري
اما نسبته الى الله كما هو فى غير موضع المقصود منه ان الله يوقع الفتن التى من شأنها ان تكون سببا فى ضلال من ضل و يدل عليه قول النبى صلى الله عليه و سلم
بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له
و قوله تعالى: قال فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري

كما انه ييسر سبيل الهداية لمن شاء له الهداية كأن يهيىء للمرأ الرفقة الصالحة التى تعينه على الطاعة او من يدعوه ابتداءا للإيمان ويبسط له الدين و يشرحه و يقدم له الأدلة و البراهين الشافية الكافية
و الله تعالى فى كلتا الحالتين يعلم ,بحكم إطلاعه على طبائع الخلق, أن هذا المرأ ان أحيط بظروف معينة فانه بمطلق إرادته سيتجه وجهة معينة سواء فى سبيل الهداية او سبيل الضلال و مع ذلك يهيىء تلك الظروف فهو بذلك مريد ارادة كونية لما تسفر عنه احاطة ذلك المرأ بتلك الظروف و لو شاء لما يسر او لما هيأ له ذلك , و اعلم ان نفس خُلق المرأ يؤثر بطريقة او بأخرى فى سلوكه و الأخلاق أو سمات الشخصية و ملامحها تحددها عوامل خارجة عن ارادة الانسان منها وراثية و منها تربوية و من ذلك قول النبى لِأَشَجَّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ . فَقَالَ : أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ : بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ }
قال شيخ الاسلام:
وَذَكَرَ قتادة أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْرَهْ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ . وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَمَا يُكْرِهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِلْمَخْلُوقِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ يُكْرِهُونَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْوَعِيدِ . بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ لِلْعَمَلِ وَقُدْرَتَهُ وَعَمَلَهُ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . انتهى
و الله عندما يخلق ارادة العبد يخلق ارادة تتصرف وفق ارادته الكونية و من ذلك قول الله تعالى: وما تشاؤون الا ان يشاء الله
فانه لا يتصور ان يقع شىء فى ملكوت الله ضد ارادته او رغما عنه فهذه مسألة بديهية إذ أن الله خالق كل شىء بما فى ذلك ارادات العباد فكيف يخلق شيئا رغما عنه؟!!
قال تعالى: و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون
و من ذلك أيضا ان الانسان اذا اقترف الآثام و المعاصى فان ايمانه ينقص و هذا هو أساس ضلال من ضل بعد الهدى و فى تفسير قوله تعالى:
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

يقول القرطبى رحمه الله:
أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيُوقِع الضَّلَالَة فِي قُلُوبهمْ بَعْد الْهُدَى حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ فَلَا يَتَّقُوهُ فَعِنْد ذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ الْإِضْلَال .
قُلْت : فَفِي هَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِي إِذَا اِرْتُكِبَتْ وَانْتُهِكَ حِجَابهَا كَانَتْ سَبَبًا إِلَى الضَّلَالَة وَالرَّدَى وَسُلَّمًا إِلَى تَرْك الرَّشَاد وَالْهَدْي . نَسْأَل اللَّه السَّدَاد وَالتَّوْفِيق وَالرَّشَاد بِمَنِّهِ .
فان قيل كيف أوقع الضلالة فى قلوبهم قلنا اى ان الله بعد ان هداهم بارسال الرسل بالمنهاج القويم اليهم مثل قوله تعالى:
فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى .
ثم لم يتابعوه و كانوا فى الضلالة اتباعا لهوى الشهوات او هوى الديانات , وهذا فى حد ذاته مقدر عليهم بحكم طبائعهم التى جُبِلوا عليها والفتن التى عرضت لهم ,فان سبيل الذهاب بلا عودة او التمادى ييسر اليهم
قال تعالى: قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مدا
او حتى ان عكفوا على الايمان فترة و هؤلاء اصحاب الايمان الهش الذين يعبدون الله على حرف ثم ابتلاهم الله ابتلاءا من شأنه ان يضلوا فانه ما كان ليفتنهم حتى يبين لهم سبيل الرشاد من خلال ارسال الرسل و انزال الكتب
قال تعالى: احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن الكاذبين
وهاهنا يطرح الأعتراض المشهور : ان كان قد قدر عليهم ما يفعلوه فلماذا الحساب ولماذا الثواب والعقاب ولماذا ارسال الرسل وانزال الكتب؟
اليست محاسبة الخلق على ماقُدِّر عليهم يعد ظلم واجحاف؟!
قلنا : مفهوم العدل الإلهى يختلف
فالعدل بالنسبة لله هو أنه خلق شيئا خبيثا( الكفار والعصاة الطالحين) وجعل مثواه ومصيره من جنسه :جهنم وبئس المصير
وخلق شيئا
حسنا طيبا ( المؤمنين الصالحين) وجعل مثواه من جنسه : جنة طيبة
فبذلك يتحقق العدل بمفهومه الإلهى

ومن ذلك ما ورد فى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم:أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى ‏ ‏يُقَادَ ‏ ‏لِلشَّاةِ ‏ ‏الْجَلْحَاءِ ‏ ‏مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ

ويقاد أى يُقتص والجلحاء أى التى لا قرن لها

قال النووى رحمه الله : وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف ; إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا , بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة . وَالْجَلْحَاء بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم . ‏


, ومن ذلك أن يُعْلِم المكلفين مراده منهم ومن ثم ارسال الرسل وانزال الكتب وسن الشرائع.
فهذا هو مفهوم العدل الإلهى إذ أن مقام التقدير أصلا من خصائص الله ولا يجوز لمخلوق وهو ملازم لله ولا ينفك عنه كما أن القِدَم والعظمة والجلال لا ينفك عنه فلا يعقل حادث فى هذا الكون إلا ومنتهى علته الفاعلية الى الله بما فى ذلك قرارات البشر وافعالهم . (1) انظر الحاشية .
والعجيب أن الملاحدة ينشغلون بذلك عن لا منطقية الكون الذى نشأ من تلقاء نفسه والمظالم التى لايرجى لها رد ولا تسوية فى ضوء الفكر الإلحادى , فالطغاة الذين يجورون على الضعفاء ويسومونهم ألوان العذاب والخسف والهوان ويسلبونهم حقوقهم ثم يرقدون فى سلام لا تستنقذ منهم حقوق هؤلاء الضعفاء والمغلوبين على امرهم. فبذلك يتضح أن الملاحدة بقولهم هذا يقعون فى ما هو أشد وطأة مما يفرون منه .
والمسألة ليست مجرد أمانى فان كان العاقل لابد أن يتعامل مع الواقع كما هو لا أن يضع تصورا بديل للواقع من عنده ما هو الا وهم لا وجود له, فكيف بالذين يلهثون وراء اثبات تصور وهمى فيه نظير ما يفرون منه فى الواقع فيما يزعمون بل ما هو أشد وطأة.
قال تعالى : وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)

________________________________

(1) ولذا تجد الفزيائيين يتحدثون عن نظرية ما موحدة كبرى تحتم كل شىء فى الكون

يقول ستيفين هاوكنج ( راجع كتاب: black holes and baby universes الترجمة العربية : الثقوب السوداء ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمى) ص184 : هل يستطيع المرأ أن يؤمن حقا أن النظرية الموحدة الكبرى تحتم أن سينيد أوكنور سيكون فى القمة من أنجح الأغانى لهذا الأسبوع , أو أن مادونا ستكون على غلاف مجلة (( كوزموبوليتان ))

ويضيف فى ص 185و186 : ولقد ظلت مشاكل الحتمية موضوع نقاش عبر قرون على أن المناقشة كانت أكاديمية نوعا حيث أننا كنا بعيدين عن المعرفة الكاملة بقوانين العلم , ولم نكن نعرف كيف تتحتم حالة ابتداء الكون . أما الآن فالمشاكل أكثر الحاحا لأن هناك إمكان أن نجد نظرية موحدة كاملة فى وقت قصير يبلغ عشرين عاما .

ثم يضيف فى ص 190 : وفيما يبدوا فإن الإختبار الموضوعى النهائى للإرادة الحرة هو: هل يمكن لنا أن نتنبأ بسلوك الكائن الحى ؟ إذا أمكننا ذلك يكون من الواضح أن هذا الكائن ليس لديه إرادة حرة وإنما هو محتم مسبقا . ومن ناحية أخرى إن لم نتمكن من التنبؤ بسلوك هذا الكائن سيكون لنا أن نأخذ ذلك كتعريف إجرائى بأن هذا الكائن الحى له إرادة حرة .

ومن الممكن أن يعترض المرأ على هذا التعريف للإرادة الحرة على أساس أننا بمجرد أن نجد نظرية موحدة كاملة فإننا سوف نكون قادرين على التنبؤ بما سيفعله الناس . على أن المخ البشرى يخضع هو الآخر لمبدأ عدم اليقين . وبالتالى فإن هناك عنصرا من ((العشوائية )) المصاحبة لميكانيكا الكم . ولكن الطاقات المستخدمة فى المخ هى طاقات منخفضة وبالتالى فإن تأثير عدم يقين ميكانيكا الكم هنا هو فحسب تأثير ضئيل والسبب الحقيقى فى أننا لا يمكننا أن نتنبأ بسلوك الأنسان هو أن ذلك ببساطة أمر بالغ الصعوبة . ونحن نعرف بالفعل القوانين الأساسية التى تتحكم فى نشاط المخ, وهى نسبيا قوانين بسيطة على أن الأمر فحسب هو من الصعب أبلغ الصعوبة الوصول إلى حل للمعادلات حينما يزيد ما تتناوله عن جسيمات معدودة وحتى فى نظرية نيوتن عن الجاذبية وهى النظرية الأكثر بساطة لن نستطيع حل المعادلات حلا مضبوطا إلا فى حالة تناول جسمين إثنين .

أما عند تناول ثلاثة جسيمات أو أكثر فسيكون علينا أن نلجأ إلى التقريبات , وتتزايد الصعوبات تزايدا سريعا مع تزايد عدد الجسيمات أما المخ البشرى فإنه يحوى ما يقرب من (( 10 أُس 26 )) من الجسيمات أو مائة مليون مليار مليار من الجسيمات . وهذا العدد أكبر كثيرا جدا من أى قدرة لنا على حل المعادلات والتنبؤ بالطريقة التى سيسكلها المخ (( لكائن حى أو إنسان مفرد )) وبالتالى فالبرغم من أننا نعرف المعادلات الأساسية التى تتحكم فى المخ إلا أننا عاجزون عن استخدامها للتنبؤ بالسلوك البشرى .

ويضيف ص 194 : وأحد أمثلة هذا الخلط هو مبدأ المسؤولية المنقوصة : أى فكرة أن الأشخاص ينبغى ألا يعاقبوا على أفعالهم لأنهم كانوا تحت ضغط . ومن الجائز أن شخصا ما سيزيد احتمال ارتكابه لفعل مضاد للمجتمع عندما يكون تحت ضغط . ولكن هذا لا يعنى أننا نزيد من احتمال ارتكابه لهذا الفعل بأن نقلل من عقوبته . وفى ص 193 : فالمجتمع الذى يشعر فيه الفرد بالمسؤولية عن أفعاله هو مجتمع يزيد إحتمال أن يعمل أفراده معا ويبقون أحياء لنشر هذا المجتمع (( قلت : وهذا ما نسميه الأخذ بالأسباب لأن الله فى تقديره مقداير كل شىء يسبب الأسباب لذلك ))

ثم يضيف ص 196 : وتلخيصا لما سبق : فقد ناقشت بعض المشكلات التى تنشأ عندما نؤمن بأن كل شىء فى الكون محتوم ولا يؤثر فى الأمر كثيرا إن كانت هذه الحتمية بقدر كلى (( نظرية كلية )) او قوانين العلم (( نظريات جزئية )) . والحقيقة أنه يمكننا دائما أن نقول إن قوانين العلم هى تعبير عن مشيئة القدر (( الله ))

ثم يضيف ص : 198 : وباختصار فإن عنوان هذا المقال كان سؤالا هو : هل كل شىء محتوم ؟ والإجابة نعم أن كل شىء محتوم على انه من المحتمل أيضا أن لا يكون كل شىء محتوم لأننا ببساطة لا نستطيع قد أن نعرف ما هو محتوم . انتهى

قلت: فيتضح مما سبق أن كون إرادة الانسان هى وليدة تفاعل عوامل معينة فى القشرة المخية والبيئة المحيطة هى بالطبع خارجة عن إرادة الإنسان وهل التى تشكل هذه الإرادة (( ( أى تمثل علل فاعلية لذلك الحدث الذى نسميه الإرادة وهى بدورها أحداث أحدثتها علل فاعلية سابقة عليها حتى تنتهى فى نهاية المطاف إلى الحدث البدئى الذى أحدثه الله بموجب ارادته اذ ان الله موجب بالإرادة لا بالذات فمن هذا الوجه فالله هو محدث أو خالق الإرادات يحدثها بتوسط علل فاعلية هى فى حد ذاتها محدَثة من محدثاته ) ))) وتلك العوامل فى تفاعلها تخضع لقوانيين معينة محددة