الاثنين، 15 ديسمبر 2008

الجزمة بمعناها فى نفس لابسها

كلنا تابعنا وبكل سرور الهدف الجميل الذى احرزه منتصر الزيدى يوم الاحد الماضى , وتقريبا سارت ردود الافعال فى العالم العربى فى اتجاه واحد يصب فى شعور طاغى بالفرحة لهذا التصرف من قبل الصحفى العراقى , لكن كالعادة ظهر علينا ذوى الياقات البيضاء من العرب الذين تقمصوا دور العقلاء الحكماء العقلانيين واخذوا يتحفونا بعدة حجج منطقية توضح لنا حقيقة الوضع , وكيف ان الامريكان لم يشعروا بالاهانة مطلقا وانه عادى عندهم دول حتى بيسلموا على بعض بالجزمة كل يوم الصبح عربون محبة يعنى .
من امثال هؤلاء كان حافظ المرازى الذى كان ضيفا على برنامج العاشرة مساءا , الرجل اخذ يشرح كيف ان الاعلام الامريكى لم يتعامل مع القضية الا من خلال شرح مفهوم استخدام الحذاء فى الثقافة العربية , وماذا يعنى استخدامه عندنا نحن العرب , ولكن الرسالة التى قصدنا ايصالها باشعار بوش بالاهانة لم تصل , ولا ادرى هل هو جدى فى كلامه هذا ام يهزل , اننا لا يهمنا ماذا يعنى الحذاء بالنسبة للغرب انما ما يعنيه بالنسبة لنا فصاحب الحذاء عربى , وعندما يفهم الامريكان ماذا يعنى استخدام الحذاء بالنسبة للعربى يكونوا قد فهموا الرسالة تماما , فكما قالوا قديما ( الكلمة بمعناها فى نفس قائلها وليست بمعناها فى نفسها ) .
ثم انتقل لنقطة اخرى تدور حول قضية المهنية فى اداء الوظيفة الصحفية , ولكن من قال ان منتصر الزيدى فعل هذا كصحفى , انه فعلها كعربى عراقى يعبر عن كم الغضب والكراهية التى يحملها تجاه الجرائم الامريكية , وليس هنا مجال لتوصيل رساله حضارية عن العرب كما يزعم المرازى , ولا اتصور اصلا ان يكون هناك محل للتصرف الحضارى من قبل ضحية لم يتورع جلادها عن ارتكاب كل انواع الجرائم الوحشية والحيوانية , ان المرازى يتكلم عن امكانيات احراج بوش بقوة عن طريق الاسئلة العسيرة التى ستجعله يفشل فى الاجابة عنها ووشه يحمر ومش بعيد يسقط ويعيد السنة .بغض النظر عن كل هؤلاء انا مبسوط جدا جدا جدا بالموقف دا , وكل اللى انبسطوا من هذا الموقف مش غافلين عن كون الاحتلال الامريكى فى العراق مازال قائما , ولا واحد فيهم يجهل حقيقة موقفنا وسوء اوضاعنا , لكن الموقف دا ان دل على شىء فانما يدل على ان الامة مازالت كرامتها حية ومازال كبرياؤها متجددا ومازال غضبها متأجج , لم نسقط بعد فى حمأة الدياثة ولم نصل لدرجة تقبيل ايدى جلادينا بمناسبة انتهاء مدة خدمتهم وتسليمنا لجلاد جديد .

الجمعة، 12 ديسمبر 2008

التقريبيون والترام

فى النصف الاول من القرن العشرين ظهرت دعوات التقريب بين السنة والشيعة , وكانت غاية أئمة هذه الدعوة من أمثال الشهيد – بإذن الله – حسن البنا والشيخ محمود شلتوت والدكتور مصطفى السباعي وغيرهم هي محاولة مداواة جرح نازف في جنب الأمة وإغلاق جبهة زائدة تستنزف جهودها وتشتت انتباهها , وقد ظهرت أهمية مسألة الصراع بين السنة والشيعة في مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني عندما قال " عدم وجود تفاهم مع إيران أمر جدير بالتأسف عليه , وإذا أردنا أن نفوت الفرصة على الإنجليز وعلى الروس فانا نرى فائدة وجود تقارب اسلامى في هذا الأمر " , ولعله لا يخفى على ذي لب أن السلطان عبد الحميد رد سبب دعوته لمثل هذا التقارب إلى تفويت الفرصة على أعداء الأمة , وقد كان هذه هي الغاية الأساسية لدى أعلام السنة الذين دعوا للتقريب وسعوا له .
ولكن هذه النوايا الطيبة من جانب السنة لم يقابلها مثلها لدى الشيعة , فقد وجد الشيعة فى مثل هذه الدعوة فرصة للوثوب على العالم الاسلامى , ووسيلة للنفاذ لقلب الأمة ونشر مذهبهم فيها , وقد ظهر هذا جليا في تجارب كثيرين ممن كانوا متحمسين لمسألة التقريب وشعروا بعد ذلك أنهم خدعوا من قبل الشيعة, فالدكتور مصطفى السباعي يروى تجربته المريرة مع الشيعة في التقريب في كتابه (السنة ومكانتها فى التشريع الاسلامى) وكيف انه التقى بعبد الحسين شرف الدين احد علماء الشيعة في جبل عامل واتفق معه في حضور بعض علماء الشيعة على ضرورة جمع الكلمة وإشاعة الوئام بين السنة والشيعة وكيف أن تحمس عبد الحسين للفكرة لكنه ما لبث أن وجد عبد الحسين يصدر كتابا في أبى هريرة مليئا بالسباب والشتائم بل وصل به الأمر إلى تكفير الصحابي الجليل أبى هريرة , ولم تقف التجارب المريرة عند هذا الوقت فالشيخ يوسف القرضاوى مثالا حيا لمثل هذه التجارب , فقد بح صوت الرجل طوال سنين يدعو للتقارب ونبذ الخلاف وتجنب الفرقة وضرورة البعد عما يثيرها , وكان يلح على علماء الشيعة الكف عن سب الصحابة ولعنهم , ولم يلقى منهم إلا الكلام المجامل الذي لا يغير من الواقع شيئا , فلما تكلم بوضوح وصراحة فيهم هاجموه بكل ألسنتهم .
فالشيعة لا يسعون من وراء تجاوبهم مع دعوات التقريب إلا الاستفادة في اختراق الصف السني , فهذه الدعوات تحسن صورتهم أمام العامة بحيث يستطيعوا بعد ذلك أن يتدرجوا فى اجتذابهم لمذهبهم ,فالعادة البشرية جرت على النفور الطبيعي لدى اى جماعة بشرية من عقيدة اخرى مخالفة تعلم بطلانها ابتداءا , فلما يبرز امام عامة أهل السنة أناس لهم من الثقل والمكانة لديهم ما هو معلوم يحسنون صورة الشيعة ويثنون عليهم فهذا اول خطوة يريدها الشيعة للنفاذ تدريجيا نحو قلب المجتمع السني ودعوته وجذبه للتشيع الرافضي .
والشيعة – كسائر الفرق الباطنية – لهم في مذهبهم والدعوة إليه درجات – أو قل دركات – أوضحها حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه ( فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية ) , فهم لا يظهرون حقيقة مذهبهم دفعة واحدة , فالخطوة الاولى تقتضى موافقة الذين يدعونهم وعدم اظهار المخالفة لهم حتى يستأنسوا منهم قبولا لدعوتهم , ثم بعد ذلك تأتى محاولة الوصول الى قلب المدعو واستمالته بلطف الحديث , وينتقلون بعد ذلك للتشكيك فى اصول الاعتقاد لدى المدعو بما يعجز عن الاجابة عليه لكونه من العوام , فان تعلق ذهن المدعو بهذه المسائل الشائكة التى لا جواب عنده عليها امتنعوا عن اجابته حتى تأكدوا من التزامه جانبهم وانضوائه تحت لوائهم , فان تأكد لهم هذا اكدوا لهم مدى تعظيمهم للشرع واحترامهم للنصوص القرانية , ولكن هذا يتبعه القول بوجود ظاهر للنص وباطن له , وان ظاهر النص ليس هو المراد انما المقصود باطنه الذى اودع فيه , فان تقبل هذا صار تابعا لكل اقوالهم فى تفسير القران وقبول السنة وانسلخ بالكلية من السنة .
ورغم وضوح هذه الحقائق من خلال التجارب العملية مع الشيعة فى مجال التقريب الا اننا مازلنا نشهد كثير من أعلام أهل السنة يعزفون على نفس الوتر القديم , متغافلين عن استغلال الشيعة لهم دون أن يقدموا في المقابل اى بادرة جوهرية لحسن النية , ويذهب الامر ببعض اهل السنة ان يكيل المديح لبعض رموز الشيعة فى المساجد ويهاجم رجلا بوزن الشيخ القرضاوى ان قال كلمة حق فى كون الشيعة اهل بدعة , فالامر لديهم تعدى مجرد التقريب بينهما الى التحول لمدافعين عن الشيعة وساردين لمناقبهم , وان كان القول بتبعيهم لايران من الصعوبة العقلية بمكان فان التفسير الوحيد الذى يمكن تصوره عقلا هو أنهم أدركوا فعلا أنهم اشتروا الترام ويحاولون أن يبيعوه لنا أيضا كى لا يظهروا بمظهر السذج الأغرار .

الجمعة، 21 نوفمبر 2008

العراق – قراءة للواقع

عند سقوط بغداد فى ابريل 2003 ظهر بالعراق عدة مشروعات مختلفة تدعم كل منها قوى على الارض بهدف تحقيق اهدافها , نذكر اهم هذه المشروعات وهى : المشروع الامريكى مدعوما ب 150 الف جندى امريكى والمشروع الايرانى يعمل على تحقيق اهدافه من خلال المخابرات الايرانية والعناصر المتسللة من الحرس الثورى الايرانى , ثم المشروع الشيعى وهو مشروع متسع بعض الشىء اذ يضم تحت عباءته تيارات متنوعة فهناك المجلس الاعلى للثورة الاسلامية المرتبط بايران ثم حزب الدعوة ذو النزعة الاستقلالية وان كان يكبله اعتماده الطويل على ايران طوال سنوات المنفى ثم التيار الصدرى صاحب الرغبة فى الاستقلال عن ايران وامريكا , وفى اقصى الشمال هناك القوى الكردية التقليدية التى اغلقت على نفسها كردستان العراق , اما فى الساحة السنية فيمكننا ان نجد تيارات العمل السياسى واعلامها هم الاخوان المسلمين بالعراق ممثلين فى الحزب الاسلامى فى العراق , اضافة الى تيارات المقاومة وهى مقسمة الى ثلاث توجهات الاولى محسوبة على الاخوان ( كتائب ثورة العشرين و جامع ثم حماس العراق ) وتيار ذو نكهة بعثية تحت راية اسلامية ( الحزب الاسلامى فى العراق ) ثم تيار السلفية الجهادية ( القاعدة وانصار السنة ) .
وقد تصارعت هذه المشروعات طوال خمس سنوات وبلغ بعضها مرحلة التصادم او التوافق تبعا للظروف والمتغيرات على الارض , الا اننا نستطيع ان نلاحظ عدة ثوابت فى علاقات هذه المشروعات , فالاكراد ربطوا انفسهم من اول يوم بالامريكان بصورة مطلقة , والمشروع الايرانى اعتمد على سياسة قوامها تجنب الصدام مع المشروع الامريكى الذى مال بدوره الى اللجوء الى التفاوض مع الايرانيين لتقسيم المكاسب وتقديم التنازلات , اما المشروع الجهادى فى منطقة السنة فقد بدأ بمقاومة صريحة ومفتوحة مع المشروع الامريكى , وحقق نتائج ايجابية كبيرة تجلت أقوى صورها فى معركة الفلوجة والتضامن الشعبى الكبير من كافة الطوائف العراقية فى وقت تصادم فيه التيار الصدرى مع الامريكان , بما جعلهم محصورين بين الجهتين وهذا بشر بامكانية تحقيق انتصار اذا تحقق استمرار وتقوية وتطوير التنسيق والتعاون بين كافة التيارات المقاومة السنية والتيار الصدرى , ثم تغيرت الاوضاع بعد ذلك وتم ترويض التيار الصدرى وانحسر المشروع الجهادى فى المناطق السنية , وبقيت اربعة مشروعات تتمثل فى ايران وامريكا والشيعة والاكراد , وهذه المشروعات تهدف الى تنظيم علاقاتها البينية من خلال الاتفاقية الامنية التى يجرى الحديث عنها الان .
ويمكن القول ان نجاح مرور هذه الاتفاقية مرهون بما يمكن ان يقدمه كل طرف من هذه الاطراف من تنازلات وضمانات للاطراف الاخرى مع الحفاظ على مكاسب خاصة به , فالايرانيون يهدفون الى ان يصبح العراق صديق لايران ولا يمثل تهديد مستقبلى لها فى ذاته او ان يكون منصة لهجوم يستهدفها , والامريكان هدفهم تأمين النفط العراقى ومراقبة الخليج ككل اضافة الى ضمان عدم وصول تيارات راديكالية الى مراكز النفوذ فى العراق بما يحوله الى مناهض للسياسات الامريكية فى المنطقة , اما الشيعة فهدفهم الحفاظ على ما حققوه من سيطرة على الاوضاع فى العراق وامساك بمراكزا لسلطة والقوة والثروة فيه , اما الاكراد فهدفهم الحفاظ على استقلالية اقليمية عن الحكومة المركزية وموارد ثروات نفطية خاصة بهم .
وفى الحقيقة يمكن الوصول الى نوع من التفاهم فى ظل هذه المتطلبات فلا احد منها يمس خطا احمر لدى طرف من الاطراف , وبالتالى مرور الخطة الامنية مسألة وقت رغم وجود قوى ممانعة تتمثل فى التيار الصدرى الذى لا اظن فى قدرته على احداث فرق رغم صياحه المرتفع , اما قوى المقاومة السنية تعثرت كثيرا بما يمنعها من التأثير على مجريات الامور فى العراق .
وتحليل اسباب الضعف الذى اعترى المقاومة السنية هو ما يهمنا لأنها تمثل المشروع الوحيد الذى لم يحقق اى من اهدافه على اعتبار انها الحامل لمطالب السنة فى ظل عدم امكانية الارتياح للحزب الاسلامى مع ممارساته الخيانية المفضوحة , ويمكن عرض هذه العوامل فى عده نقاط : اولها الموقف الخيانى الذى اتخذته الاحزاب السنية السياسية ( على رأسهم الاخوان المسلمين ممثلين فى الحزب الاسلامى ) وارتمائهم فى احضان الامريكان بصورة فجة وصلت لدرجة تصريح قادتهم برفض خروج الامريكان من العراق , وثانيها انقلاب فصائل المقاومة على مشروع المقاومة وانحيازها لمرجعياتها السياسية ( مثل حماس العراق ) بصورة وصلت الى حد التقاتل والوقوف موقف المتفرج من الهجمات الامريكية على المناطق السنية فى ديالى وبعقوبة , وثالثها الانجراف وراء تيارات تعميق الخلافات الايديولوجية بين فصائل المقاومة , فالقاعدة لم تقبل من فصائل مقاومة اخرى طرحها للمشروع الاسلامى القطرى , رغم ان الطابع العالمى للمشروع الجهادى اكبر يكثير من طاقة فصائل المقاومة بما فيها القاعدة , ورابعها انجراف المقاومة نحو الحرف الطائفية وخصوصا التصادم مع جيش المهدى الذى كان يمكن ان يمثل حليفا محتملا للمشروع المقاوم , كما ان هذا الصدام استنزف كثير من قوى المقاومة التى كان يجب ان توجه لمقاومة المحتل .
وبالطبع يجب توضيح حقيقة ان مجالس الصحوة كانت العامل الاكبر فى تعثر المشروع الجهادى فى العراق , لكن ظهورها لا يعتبر عاملا مستقلا اذ هو نتاج عدة عوامل منها خيانة الحزب الاسلامى وعمالته اضافة الى التنازع الداخلى بين الفصائل لاختلاف الايديولوجيات كما ان فصائل مقاومة بعينها كانت الرقم الاكبر فى تكوين هذه المجالس انسياقا وراء مرجعياتها السياسية , ومع كل هذا لا ننسى ان ضعف ومحدودية الرؤية السياسية لدى قيادات المقاومة كانت عاملا ذاتيا مهما أدى الى انجاح مجهودات المناوئين و افشال مجهودات المقاومة وتشتتها .اما مسألة توصيف الوضع الامريكى فى العراق بالهزيمة او الانتصار فهى معقدة , اذ ان امريكا لم تحقق كل اهدافها فى العراق , ولم تحوله الى النموذج المنشود واجبرت على تقديم تنازلات لصالح اطراف اخرى ( اهمها ايران ) , وان كان هذا لا يكفى للقول بهزيمة امريكا فى العراق الا ان ما تحقق من اهداف امريكية قد تم دفع ثمن باهظ مقابله تمثل فى عشرات الالاف من القتلى والجرحى ومئات المليارات الدولارات من الخسائر المباشرة وقرابة ثلاثة تليريون دولار من الخسائر الغير مباشرة اضافة الى اقتصاد مهتز بشدة وشلل امريكى وعجز عن الاستمرار فى سياسات القوى الصلبة فى التعامل مع القضايا التى تواجهها , واهانة لحقت بالجيش الامريكى بعد عجزه عن تمرير المشروع الامريكى بقوته الذاتية .

الجمعة، 7 نوفمبر 2008

عود احمد

جرت العادة التدوينية ان يعاود المدون كتاباته بعد انقطاع طويل او قصير بتدوينة شبه ثابتة عنوانها يكون فى الغالب وحشتونى جدا جدا جدا , رغم ان ما منعه من الكتابة فى مدونته لم يكن ظرفا قاهرا حال بينه وبين جمهوره العريض , او ظرف مرضى طارىء اقعده عن الكتابة , فربما كان المانع جفافا فى الافكار فى احد الاحوال او على الاغلب هو انشغال فى امر من امور الحياة العادية بما يعنى انه قد نسى خلال هذه الفترة التى انقطع فيها عن الكتابة المدونة والزوار بل وعالم التدوين بالكلية , لكن برضه بيكونوا وحشوه جدا جدا جدا , عموما ربنا يديم المعروف .
المهم انى لاحظت بعد ان ابتعدت عن التدوين الفترة الماضية ثم عدت لم اشعر ان هناك تغير جوهرى حدث فى عالم التدوين , فما زال على حاله , وكأنه قد جمد وأصبح مكررا , الجماعة بتوع الرومانسية لسة بيحبوا على نفسهم , والاخرين المتطلعون للتدوينات الادبية لسة بيقولوا كلام نصه مش مفهوم والنص التانى مالوش معنى , اما السياسيين فمازالوا مرابطين على الثغور يهاجمون الحكومة بلا هوادة ربنا يعينهم , لكن السؤال اللى بيطرح نفسه هو الناس بتدون ليه لغاية دلوقتى؟ يعنى مش حاسس ان فى انقلاب حصل فى حياتنا بسبب التدوين , واشعر ان عالم التدوين يتجه نحو النمطية والتكرار , عموما اكيد كل واحد ليه سببه .
بغض النظر عن كل ما سبق احب اقول بمناسبة عودتى الحميدة للمدونة :
العود احمد والايام ضامنة عقبى النجاح ووعد الله ينتظر

الاثنين، 22 سبتمبر 2008

القدر

قال تعالى : وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه البخارى: ‏مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا أَلَا نَتَّكِلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ‏ . اى ان الله يسبب اسبابا للهدى بها يعمل بعمل اهل الجنة من كتبت له الجنة واخرى للضلال بها يعمل بعمل اهل النار من كتبت له النار
وفى الحديث الذى رواه أحمد :

إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ مَسَحَ ظَهْره بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة قَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْره فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة قَالَ خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْل النَّار يَعْمَلُونَ " فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه فَفِيمَ الْعَمَل قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا خَلَقَ اللَّه الْعَبْد لِلْجَنَّةِ اِسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل الْجَنَّة فَيُدْخِلهُ بِهِ الْجَنَّة وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْد لِلنَّارِ اِسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْل النَّار حَتَّى يَمُوت عَلَى عَمَل مِنْ أَعْمَال أَهْل النَّار فَيُدْخِلهُ بِهِ النَّار" .

ومن ذلك قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
اى ان تفصيل الايات الغرض منه الزجر والردع كى ينتهوا حتى وان لم يؤتى الثمار التى ترجى منه من جهة من ختم الله على قلوبهم لكن على اقل تقدير ليكون اقامة للحجة عليهم فيكون المعنى نفصل الايات بُغْيَة ان يرجعوا
ومعلوم ان ثمّ من كتب لهم الهداية فيكون تفصيل الايات سببا لهداية من كتب له الهداية .
وليس بمعنى ان الامر لم يتقرر بعد بل تقرر لكن فى علم الله والله يسبب الاسباب
قال بن جرير الطبرى : الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمَا فَصَّلْنَا يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك آيَات هَذِهِ السُّورَة , وَبَيَّنَّا فِيهَا مَا فَعَلْنَا بِالْأُمَمِ السَّالِفَة قَبْل قَوْمك , وَأَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ الْمَثُلَات بِكُفْرِهِمْ وَإِشْرَاكهمْ فِي عِبَادَتِي غَيْرِي , كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات غَيْرهَا وَنُبَيِّنهَا لِقَوْمِك , لِيَنْزَجِرُوا وَيَرْتَدِعُوا , فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي وَيَتُوبُوا مِنْ شِرْكهمْ وَكُفْرهمْ , فَيَرْجِعُوا إِلَى الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِتَوْحِيدِي وَإِفْرَاد الطَّاعَة لِي وَتَرْك عِبَادَة مَا سِوَايَ

قال بعضهم : انت مكتوب عليك مقعد ومنذ الازل في النار مثلا ،، فما هي فائدة صلاتك ؟؟

قلت : فائدة اقامة الصلاة وغيرها مما افترضه الله هى أن تأخذ باسباب النجاة وتنصاع للأمر لانك ببساطة لا تعلم مصيرك فاذا اخذت باسباب النجاة واجتهدت فى ذلك فعسى الله أن يجعل ذلك سببا لنجاة قدرها لك
ولا دخل لك بما قدره الله فما عليك هو ان تجتهد فى الطاعة باعتبارك مختارا ذو ارادة وان كانت ارادتك موافقة لارادة الله
فلا يعنى ذلك ان تهمل الاخذ بالاسباب
فمن المعلوم ان من يأخذ باسباب التفوق الدراسى يحقق نجاحا فى ذلك بخلاف من يتكاسل او يتراخى
فأخذك بالاسباب له فعل وأثر فى مصيرك وان كان نفس أخذك بالاسباب من عدمه مقدر عليك فهذا امر فقط تعتقده ولا يجوز ان تركن لكون كل شىء مقدر وتهمل الاخذ بالاسباب .

والمرأ يعى جيدا الفرق بين ما يصدر عنه بارادته وبين ما لا يصدر عنه بارادته وهو محاسب على النوع الاول ـ هذا واقع الامرـ وان كان واقع الامر ايضا ,وتلك تصير مسألة اعتقادية لا يجوز لاحد ان يحتج بها على المعاصى ,ان ما يصدر بالاختيار وكذلك بغير اختيار مقدر
فمفهوم القدر اوسع من الجبر
وهذا الذى جاء به القرآن والسنة : الجمع بين القدر والشرع اى مبدأ الثواب والعقاب
لأن هذا واقع الامر وليس ما يراه هذا أو ذاك
مسألة ان الله يضل :

قال تعالى : إن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. الآية

وفى العهد القديم :

حز 14:9 فاذا ضل النبي وتكلم كلاما فانا الرب قد اضللت ذلك النبي وسأمد يدي عليه وابيده من وسط شعبي اسرائيل.




ليس المقصود بالطبع ان الله يبعث الرسل بمنهج من شأنه ان يضل الناس و ينحرفوا عن سواء السبيل هذا من جهة و من جهة أخرى فان نسبة الإضلال قد تكون نسبة الى السبب حتى و لو لم يصدر من هذا السبب الذى ينسب اليه الإضلال ما من شأنه التضليل و التلبيس و خلط الحق بالباطل
فهو يقوم بدور سلبى فى ذلك الامر و مثال ذلك قول الله على لسان ابراهيم الخليل فى شأن الاصنام:
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
او قد يكون فعال كأن يفترى على الله الكذب و يدعو الناس الى ضلالته و يجادل بالباطل ليدحض به الحق
مثل قول الله تعالى فى شأن فرعون :
و أضل فرعون قومه و ما هدى
و فى شأن السامرى:
قال فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري
اما نسبته الى الله كما هو فى غير موضع المقصود منه ان الله يوقع الفتن التى من شأنها ان تكون سببا فى ضلال من ضل و يدل عليه قول النبى صلى الله عليه و سلم
بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له
و قوله تعالى: قال فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري

كما انه ييسر سبيل الهداية لمن شاء له الهداية كأن يهيىء للمرأ الرفقة الصالحة التى تعينه على الطاعة او من يدعوه ابتداءا للإيمان ويبسط له الدين و يشرحه و يقدم له الأدلة و البراهين الشافية الكافية
و الله تعالى فى كلتا الحالتين يعلم ,بحكم إطلاعه على طبائع الخلق, أن هذا المرأ ان أحيط بظروف معينة فانه بمطلق إرادته سيتجه وجهة معينة سواء فى سبيل الهداية او سبيل الضلال و مع ذلك يهيىء تلك الظروف فهو بذلك مريد ارادة كونية لما تسفر عنه احاطة ذلك المرأ بتلك الظروف و لو شاء لما يسر او لما هيأ له ذلك , و اعلم ان نفس خُلق المرأ يؤثر بطريقة او بأخرى فى سلوكه و الأخلاق أو سمات الشخصية و ملامحها تحددها عوامل خارجة عن ارادة الانسان منها وراثية و منها تربوية و من ذلك قول النبى لِأَشَجَّ عَبْدِ الْقَيْسِ : إنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ . فَقَالَ : أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْت بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ : بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا . قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ }
قال شيخ الاسلام:
وَذَكَرَ قتادة أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْرَهْ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ . وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَمَا يُكْرِهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا لِلْمَخْلُوقِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ يُكْرِهُونَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَالْوَعِيدِ . بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ إرَادَةَ الْعَبْدِ لِلْعَمَلِ وَقُدْرَتَهُ وَعَمَلَهُ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . انتهى
و الله عندما يخلق ارادة العبد يخلق ارادة تتصرف وفق ارادته الكونية و من ذلك قول الله تعالى: وما تشاؤون الا ان يشاء الله
فانه لا يتصور ان يقع شىء فى ملكوت الله ضد ارادته او رغما عنه فهذه مسألة بديهية إذ أن الله خالق كل شىء بما فى ذلك ارادات العباد فكيف يخلق شيئا رغما عنه؟!!
قال تعالى: و لو شاء ربك ما فعلوه فذرهم و ما يفترون
و من ذلك أيضا ان الانسان اذا اقترف الآثام و المعاصى فان ايمانه ينقص و هذا هو أساس ضلال من ضل بعد الهدى و فى تفسير قوله تعالى:
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

يقول القرطبى رحمه الله:
أَيْ مَا كَانَ اللَّه لِيُوقِع الضَّلَالَة فِي قُلُوبهمْ بَعْد الْهُدَى حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ فَلَا يَتَّقُوهُ فَعِنْد ذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ الْإِضْلَال .
قُلْت : فَفِي هَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِي إِذَا اِرْتُكِبَتْ وَانْتُهِكَ حِجَابهَا كَانَتْ سَبَبًا إِلَى الضَّلَالَة وَالرَّدَى وَسُلَّمًا إِلَى تَرْك الرَّشَاد وَالْهَدْي . نَسْأَل اللَّه السَّدَاد وَالتَّوْفِيق وَالرَّشَاد بِمَنِّهِ .
فان قيل كيف أوقع الضلالة فى قلوبهم قلنا اى ان الله بعد ان هداهم بارسال الرسل بالمنهاج القويم اليهم مثل قوله تعالى:
فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى .
ثم لم يتابعوه و كانوا فى الضلالة اتباعا لهوى الشهوات او هوى الديانات , وهذا فى حد ذاته مقدر عليهم بحكم طبائعهم التى جُبِلوا عليها والفتن التى عرضت لهم ,فان سبيل الذهاب بلا عودة او التمادى ييسر اليهم
قال تعالى: قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مدا
او حتى ان عكفوا على الايمان فترة و هؤلاء اصحاب الايمان الهش الذين يعبدون الله على حرف ثم ابتلاهم الله ابتلاءا من شأنه ان يضلوا فانه ما كان ليفتنهم حتى يبين لهم سبيل الرشاد من خلال ارسال الرسل و انزال الكتب
قال تعالى: احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين آمنوا و ليعلمن الكاذبين
وهاهنا يطرح الأعتراض المشهور : ان كان قد قدر عليهم ما يفعلوه فلماذا الحساب ولماذا الثواب والعقاب ولماذا ارسال الرسل وانزال الكتب؟
اليست محاسبة الخلق على ماقُدِّر عليهم يعد ظلم واجحاف؟!
قلنا : مفهوم العدل الإلهى يختلف
فالعدل بالنسبة لله هو أنه خلق شيئا خبيثا( الكفار والعصاة الطالحين) وجعل مثواه ومصيره من جنسه :جهنم وبئس المصير
وخلق شيئا
حسنا طيبا ( المؤمنين الصالحين) وجعل مثواه من جنسه : جنة طيبة
فبذلك يتحقق العدل بمفهومه الإلهى

ومن ذلك ما ورد فى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم:أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى ‏ ‏يُقَادَ ‏ ‏لِلشَّاةِ ‏ ‏الْجَلْحَاءِ ‏ ‏مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ

ويقاد أى يُقتص والجلحاء أى التى لا قرن لها

قال النووى رحمه الله : وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف ; إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا , بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة . وَالْجَلْحَاء بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم . ‏


, ومن ذلك أن يُعْلِم المكلفين مراده منهم ومن ثم ارسال الرسل وانزال الكتب وسن الشرائع.
فهذا هو مفهوم العدل الإلهى إذ أن مقام التقدير أصلا من خصائص الله ولا يجوز لمخلوق وهو ملازم لله ولا ينفك عنه كما أن القِدَم والعظمة والجلال لا ينفك عنه فلا يعقل حادث فى هذا الكون إلا ومنتهى علته الفاعلية الى الله بما فى ذلك قرارات البشر وافعالهم . (1) انظر الحاشية .
والعجيب أن الملاحدة ينشغلون بذلك عن لا منطقية الكون الذى نشأ من تلقاء نفسه والمظالم التى لايرجى لها رد ولا تسوية فى ضوء الفكر الإلحادى , فالطغاة الذين يجورون على الضعفاء ويسومونهم ألوان العذاب والخسف والهوان ويسلبونهم حقوقهم ثم يرقدون فى سلام لا تستنقذ منهم حقوق هؤلاء الضعفاء والمغلوبين على امرهم. فبذلك يتضح أن الملاحدة بقولهم هذا يقعون فى ما هو أشد وطأة مما يفرون منه .
والمسألة ليست مجرد أمانى فان كان العاقل لابد أن يتعامل مع الواقع كما هو لا أن يضع تصورا بديل للواقع من عنده ما هو الا وهم لا وجود له, فكيف بالذين يلهثون وراء اثبات تصور وهمى فيه نظير ما يفرون منه فى الواقع فيما يزعمون بل ما هو أشد وطأة.
قال تعالى : وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)

________________________________

(1) ولذا تجد الفزيائيين يتحدثون عن نظرية ما موحدة كبرى تحتم كل شىء فى الكون

يقول ستيفين هاوكنج ( راجع كتاب: black holes and baby universes الترجمة العربية : الثقوب السوداء ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمى) ص184 : هل يستطيع المرأ أن يؤمن حقا أن النظرية الموحدة الكبرى تحتم أن سينيد أوكنور سيكون فى القمة من أنجح الأغانى لهذا الأسبوع , أو أن مادونا ستكون على غلاف مجلة (( كوزموبوليتان ))

ويضيف فى ص 185و186 : ولقد ظلت مشاكل الحتمية موضوع نقاش عبر قرون على أن المناقشة كانت أكاديمية نوعا حيث أننا كنا بعيدين عن المعرفة الكاملة بقوانين العلم , ولم نكن نعرف كيف تتحتم حالة ابتداء الكون . أما الآن فالمشاكل أكثر الحاحا لأن هناك إمكان أن نجد نظرية موحدة كاملة فى وقت قصير يبلغ عشرين عاما .

ثم يضيف فى ص 190 : وفيما يبدوا فإن الإختبار الموضوعى النهائى للإرادة الحرة هو: هل يمكن لنا أن نتنبأ بسلوك الكائن الحى ؟ إذا أمكننا ذلك يكون من الواضح أن هذا الكائن ليس لديه إرادة حرة وإنما هو محتم مسبقا . ومن ناحية أخرى إن لم نتمكن من التنبؤ بسلوك هذا الكائن سيكون لنا أن نأخذ ذلك كتعريف إجرائى بأن هذا الكائن الحى له إرادة حرة .

ومن الممكن أن يعترض المرأ على هذا التعريف للإرادة الحرة على أساس أننا بمجرد أن نجد نظرية موحدة كاملة فإننا سوف نكون قادرين على التنبؤ بما سيفعله الناس . على أن المخ البشرى يخضع هو الآخر لمبدأ عدم اليقين . وبالتالى فإن هناك عنصرا من ((العشوائية )) المصاحبة لميكانيكا الكم . ولكن الطاقات المستخدمة فى المخ هى طاقات منخفضة وبالتالى فإن تأثير عدم يقين ميكانيكا الكم هنا هو فحسب تأثير ضئيل والسبب الحقيقى فى أننا لا يمكننا أن نتنبأ بسلوك الأنسان هو أن ذلك ببساطة أمر بالغ الصعوبة . ونحن نعرف بالفعل القوانين الأساسية التى تتحكم فى نشاط المخ, وهى نسبيا قوانين بسيطة على أن الأمر فحسب هو من الصعب أبلغ الصعوبة الوصول إلى حل للمعادلات حينما يزيد ما تتناوله عن جسيمات معدودة وحتى فى نظرية نيوتن عن الجاذبية وهى النظرية الأكثر بساطة لن نستطيع حل المعادلات حلا مضبوطا إلا فى حالة تناول جسمين إثنين .

أما عند تناول ثلاثة جسيمات أو أكثر فسيكون علينا أن نلجأ إلى التقريبات , وتتزايد الصعوبات تزايدا سريعا مع تزايد عدد الجسيمات أما المخ البشرى فإنه يحوى ما يقرب من (( 10 أُس 26 )) من الجسيمات أو مائة مليون مليار مليار من الجسيمات . وهذا العدد أكبر كثيرا جدا من أى قدرة لنا على حل المعادلات والتنبؤ بالطريقة التى سيسكلها المخ (( لكائن حى أو إنسان مفرد )) وبالتالى فالبرغم من أننا نعرف المعادلات الأساسية التى تتحكم فى المخ إلا أننا عاجزون عن استخدامها للتنبؤ بالسلوك البشرى .

ويضيف ص 194 : وأحد أمثلة هذا الخلط هو مبدأ المسؤولية المنقوصة : أى فكرة أن الأشخاص ينبغى ألا يعاقبوا على أفعالهم لأنهم كانوا تحت ضغط . ومن الجائز أن شخصا ما سيزيد احتمال ارتكابه لفعل مضاد للمجتمع عندما يكون تحت ضغط . ولكن هذا لا يعنى أننا نزيد من احتمال ارتكابه لهذا الفعل بأن نقلل من عقوبته . وفى ص 193 : فالمجتمع الذى يشعر فيه الفرد بالمسؤولية عن أفعاله هو مجتمع يزيد إحتمال أن يعمل أفراده معا ويبقون أحياء لنشر هذا المجتمع (( قلت : وهذا ما نسميه الأخذ بالأسباب لأن الله فى تقديره مقداير كل شىء يسبب الأسباب لذلك ))

ثم يضيف ص 196 : وتلخيصا لما سبق : فقد ناقشت بعض المشكلات التى تنشأ عندما نؤمن بأن كل شىء فى الكون محتوم ولا يؤثر فى الأمر كثيرا إن كانت هذه الحتمية بقدر كلى (( نظرية كلية )) او قوانين العلم (( نظريات جزئية )) . والحقيقة أنه يمكننا دائما أن نقول إن قوانين العلم هى تعبير عن مشيئة القدر (( الله ))

ثم يضيف ص : 198 : وباختصار فإن عنوان هذا المقال كان سؤالا هو : هل كل شىء محتوم ؟ والإجابة نعم أن كل شىء محتوم على انه من المحتمل أيضا أن لا يكون كل شىء محتوم لأننا ببساطة لا نستطيع قد أن نعرف ما هو محتوم . انتهى

قلت: فيتضح مما سبق أن كون إرادة الانسان هى وليدة تفاعل عوامل معينة فى القشرة المخية والبيئة المحيطة هى بالطبع خارجة عن إرادة الإنسان وهل التى تشكل هذه الإرادة (( ( أى تمثل علل فاعلية لذلك الحدث الذى نسميه الإرادة وهى بدورها أحداث أحدثتها علل فاعلية سابقة عليها حتى تنتهى فى نهاية المطاف إلى الحدث البدئى الذى أحدثه الله بموجب ارادته اذ ان الله موجب بالإرادة لا بالذات فمن هذا الوجه فالله هو محدث أو خالق الإرادات يحدثها بتوسط علل فاعلية هى فى حد ذاتها محدَثة من محدثاته ) ))) وتلك العوامل فى تفاعلها تخضع لقوانيين معينة محددة